المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / الهجرة إلى أوروبا: بين الاعتبارات القانونية والمسؤولية السياسية

الهجرة إلى أوروبا: بين الاعتبارات القانونية والمسؤولية السياسية

الهجرة إلى أوروبا: بين الاعتبارات القانونية والمسؤولية السياسية

هل يتحول ميثاق لهجرة الجديد الي ساحة صراع!

د.ابوبكر باذيب

دخل ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التطبيق الكامل في يونيو 2026، حاملاً معه محاولة أوروبية جديدة لإعادة تنظيم واحدة من أكثر القضايا حساسية وانقسامًا داخل الاتحاد الأوروبي، وهي قضية الهجرة واللجوء ومسؤولية الدول عن استقبال طالبي الحماية وتحديد الدولة التي تتحمل مسؤولية دراسة طلباتهم، لكن دخول الميثاق حيز التنفيذ لم ينهِ الخلافات الأوروبية بقدر ما نقلها إلى مرحلة جديدة.

لأن السؤال الذي ظل حاضرًا طوال السنوات الماضية لم يكن فقط كيف يمكن لأوروبا أن تضبط حدودها الخارجية أو تحد من الهجرة غير النظامية، وإنما من يتحمل المسؤولية عندما يصل المهاجر إلى الأراضي الأوروبية، وهل تكون الدولة التي وصل إليها أولًا مسؤولة عن استقباله ودراسة طلبه، أم أن مسؤولية الهجرة يجب أن تتحول إلى مسؤولية أوروبية مشتركة تتوزع بين جميع الدول الأعضاء.

وهنا تحديدًا تظهر واحدة من أهم الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بين دول الحدود الخارجية، وفي مقدمتها إيطاليا وإسبانيا واليونان، وبين دول الداخل الأوروبي مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا ودول أخرى ترى أن استمرار انتقال طالبي اللجوء من دول الدخول الأولى إلى أراضيها يفرض عليها أعباءً لا ينبغي أن تتحملها وحدها.

ولذلك جاء الميثاق الأوروبي الجديد ليحاول الجمع بين فكرتين تبدوان متعارضتين، الأولى هي استمرار مسؤولية الدولة التي يصل إليها طالب اللجوء في حالات محددة، والثانية هي إنشاء آلية تضامن أوروبية تجعل الدول الأخرى مطالبة بالمساهمة في تحمل أعباء الدول التي تواجه ضغطًا أكبر على حدودها.

إلا أن المشكلة أن هذا التوازن النظري بدأ يصطدم بالواقع السياسي بمجرد بدء التطبيق الفعلي للقواعد الجديدة، وهو ما ظهر بصورة واضحة في الخلاف المتصاعد بين إيطاليا وألمانيا، فبرلين تريد إعادة تفعيل عمليات نقل طالبي اللجوء الذين دخلوا الاتحاد الأوروبي عبر إيطاليا ثم انتقلوا إلى ألمانيا، استنادًا إلى قواعد المسؤولية الأوروبية، بينما ترفض روما استقبال بعض هذه الحالات، وتقول إن جزءًا منها يعود إلى فترات سابقة على دخول الميثاق الجديد حيز التطبيق، وأن ترتيبات واتفاقات سابقة كانت قد عالجت أو أغلقت عددًا من هذه الملفات، وهو ما يجعل الخلاف بين البلدين ليس مجرد خلاف إداري حول عدد من طالبي اللجوء، وإنما اختبارًا حقيقيًا لقدرة الميثاق الجديد على فرض قواعد موحدة على جميع الدول الأعضاء.

في هذا الصدد كانت إيطاليا من أكثر الدول الأوروبية مطالبة في السنوات الماضية بتطبيق مبدأ مسؤولية الدولة الأولى التي يدخل منها المهاجر، لكنها تجد نفسها الآن في موقع مختلف عندما أصبحت هي نفسها الدولة التي تطالبها دول أخرى باستعادة طالبي اللجوء الذين مروا عبر أراضيها، وهذه المفارقة تكشف أن أزمة الهجرة الأوروبية لم تكن في غياب القواعد فقط، وإنما في اختلاف الدول حول كيفية تفسير المسؤولية وتقاسمها.

فإيطاليا ترى أن موقعها الجغرافي على المتوسط يجعلها تتحمل عبئًا غير متناسب لأنها تمثل إحدى البوابات الرئيسية للهجرة إلى الاتحاد الأوروبي، ولذلك لا تريد أن تتحول إلى منطقة استقبال دائمة لبقية أوروبا، بينما ترى ألمانيا أن الموقع الجغرافي لا يمكن أن يكون مبررًا للتنصل من المسؤوليات التي تفرضها القواعد الأوروبية، خصوصًا عندما يصل طالب اللجوء إلى دولة أخرى بعد دخوله الاتحاد من دولة جنوبية.

ومن هنا يتحول الخلاف من سؤال قانوني إلى سؤال سياسي أوسع يتعلق بطبيعة الاتحاد الأوروبي نفسه، وهل هو فضاء واحد بحدود خارجية مشتركة وبالتالي يجب أن تكون مسؤولية الهجرة مسؤولية مشتركة، أم أنه مجموعة من الدول لا تزال الحدود الوطنية فيها تحدد بصورة كبيرة مسؤولية استقبال المهاجرين وطالبي اللجوء!

وتزداد أهمية هذا السؤال عندما ننظر إلى إسبانيا واليونان، فإسبانيا تواجه ضغوطًا مستمرة على طرق الهجرة في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، بينما تواجه اليونان ضغوطًا كبيرة على حدودها البحرية والبرية، وهو ما يجعل الدول الثلاث، إيطاليا وإسبانيا واليونان، تمثل عمليًا الخط الأمامي للاتحاد الأوروبي في مواجهة الهجرة غير النظامية، لكنها في الوقت ذاته لا تريد أن تتحول حماية الحدود الخارجية الأوروبية إلى مسؤولية وطنية تتحملها وحدها، ولذلك تطالب بأن يقترن تشديد الحدود الأوروبية بآلية حقيقية لتقاسم الأعباء.

بينما ترى دول أخرى أن التضامن الأوروبي لا يمكن أن يعني إلغاء مسؤولية الدولة الأولى، وأن من يدخل الاتحاد الأوروبي عبر دولة معينة يجب في النهاية أن يخضع لنظام أوروبي يحدد الدولة المسؤولة عن ملفه.

وتكشف التطورات الأخيرة أن هذا الخلاف بدأ يتسع بدل أن ينحسر، فبعد ألمانيا والنمسا وسويسرا وفنلندا، أعلنت السويد أيضًا توجهها نحو تطبيق القواعد الجديدة وإعادة بعض طالبي اللجوء إلى إيطاليا، فيما دخلت أيرلندا على خط المطالبة بإعادة طالبي اللجوء إلى دول الدخول الأولى، وهو ما يعني أن روما لم تعد تواجه خلافًا ثنائيًا مع برلين فقط، وإنما أمام اتجاه أوروبي أوسع يريد التشدد في تطبيق قواعد المسؤولية ومنع ما يسمى بالحركة الثانوية لطالبي اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل تحاول إيطاليا الدفاع عن تصور مختلف يقوم على أن دول الحدود الخارجية يجب ألا تتحمل وحدها تكلفة حماية الحدود الأوروبية، وأن التضامن الأوروبي يجب أن يكون أكثر من مجرد مساهمات مالية أو إعادة توزيع محدودة للأشخاص، لأن المشكلة بالنسبة إلى دول الجنوب ليست فقط عدد طالبي اللجوء الموجودين لديها، وإنما استمرار تدفق المهاجرين إلى أراضيها بحكم موقعها الجغرافي، ثم مطالبتها في الوقت نفسه بإبقاء هؤلاء الأشخاص داخل منظومة الاستقبال الوطنية إلى حين انتهاء الإجراءات القانونية.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى في الميثاق الجديد، فهو يحاول أن يجعل المسؤولية والتضامن جزءًا من منظومة واحدة، لكنه في الوقت نفسه لا يلغي مبدأ الدولة المسؤولة عن طلب اللجوء، ولذلك فإن كل طرف يستطيع أن يقرأ الميثاق من زاويته الخاصة، فدول الجنوب تركز على التضامن وتقاسم الأعباء، بينما تركز دول الداخل على المسؤولية ومنع انتقال طالبي اللجوء من دولة إلى أخرى، وبين هذين الاتجاهين تحاول المفوضية الأوروبية بناء نظام قادر على حماية الحدود الخارجية وتسريع إجراءات اللجوء وتحسين عمليات العودة، دون أن يؤدي ذلك إلى تحميل دول بعينها أعباء أكبر من قدرتها.

لكن التطورات الحالية تشير إلى أن الميثاق لم يحسم هذا التناقض، بل ربما دخل الآن مرحلته الأكثر صعوبة، لأن القواعد أصبحت تنتقل من النصوص القانونية إلى الاختبار العملي، ومن هنا يمكن فهم التصعيد الإيطالي الألماني في سياق أوسع، فالقضية ليست فقط حول إعادة أشخاص إلى إيطاليا، وليست فقط حول دور المنظمات غير الحكومية التي تنقذ المهاجرين في البحر المتوسط، وإنما حول من يملك القرار في إدارة الحدود الأوروبية ومن يتحمل التكلفة السياسية والمالية والأمنية والإنسانية للهجرة.

ولذلك فإن الصراع الحالي قد يعيد تشكيل التحالفات داخل الاتحاد الأوروبي بين دول الجنوب التي تريد تضامنًا أوروبيًا أكبر، ودول الداخل التي تريد تطبيقًا أكثر صرامة لقواعد الدولة المسؤولة ومنع الحركة الثانوية، وقد تصبح إيطاليا وإسبانيا واليونان في المرحلة المقبلة أكثر قدرة على التنسيق فيما بينها للضغط باتجاه إعادة تعريف التضامن الأوروبي، بينما ستسعى ألمانيا وفرنسا وهولندا ودول أخرى إلى ضمان ألا تتحول آلية التضامن إلى وسيلة لإلغاء مسؤولية الدولة الأولى أو السماح لطالبي اللجوء بالانتقال من دولة إلى أخرى بحثًا عن ظروف أفضل.

ولذلك فإن مستقبل ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي لن يتحدد فقط من خلال النصوص التي أقرت في بروكسل، وإنما من خلال قدرة الدول الأعضاء على الاتفاق حول السؤال الأكثر حساسية، وهو من يتحمل المسؤولية عندما يصل المهاجر إلى الحدود الأوروبية، وإذا فشل الاتحاد في إيجاد توازن حقيقي بين حماية الحدود وتقاسم المسؤولية، فإن الميثاق الجديد قد يتحول من أداة لتوحيد السياسة الأوروبية إلى ساحة جديدة للصراع بين دول الحدود ودول الداخل.

 وفي النهاية فإن الاختبار الحقيقي للاتحاد الأوروبي ليس فقط قدرته على منع الهجرة غير النظامية، وإنما قدرته على بناء سياسة تجعل الحدود الخارجية أوروبية بالفعل، لا حدودًا وطنية لدول تقع في الطرف الجنوبي من القارة، لأن استمرار تحميل إيطاليا وإسبانيا واليونان العبء الأكبر بسبب موقعها الجغرافي سيبقي الخلاف قائمًا، كما أن مطالبة ألمانيا وفرنسا ودول الداخل باستقبال أعداد أكبر من طالبي اللجوء دون ضبط الحركة الثانوية ستبقي الاعتراضات قائمة، ولذلك يبقى السؤال المركزي أمام أوروبا اليوم: هل يستطيع الاتحاد أن يحول الهجرة من مشكلة تتحملها مجموعة محددة من الدول إلى مسؤولية أوروبية مشتركة، أم أن ميثاق الهجرة واللجوء الجديد سيعيد إنتاج أزمة دبلن ولكن بصيغة أكثر تعقيدًا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *