المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / هل تقترب نهاية الحكومة الهولندية! 

هل تقترب نهاية الحكومة الهولندية! 

هل تقترب نهاية الحكومة الهولندية! 

د.ابوبكر باذيب

تدخل الحكومة الهولندية برئاسة روب ييتن مرحلة سياسية بالغة الحساسية، بعدما تحولت تجربة حكومة الأقلية التي بدأت في فبراير 2026 إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام السياسي الهولندي على إنتاج الاستقرار واتخاذ قرارات كبرى في ظل غياب أغلبية برلمانية. 

فالحكومة المؤلفة من أحزاب D66 وVVD وCDA لا تمتلك سوى 66 مقعدًا من أصل 150 في مجلس النواب، كما أنها تفتقر إلى الأغلبية في مجلس الشيوخ، الأمر الذي يجعلها مضطرة إلى البحث عن دعم المعارضة لكل ملف تشريعي ومالي تقريبًا.

وتبدو الموازنة المقبلة لعام 2027 الاختبار الأكبر لهذه الحكومة، فمع اقتراب موعد Prinsjesdag في 15 سبتمبر، بدأت الحكومة بالفعل مفاوضات مع أحزاب المعارضة للحصول على الدعم اللازم للموازنة، لكن المفاوضات الأخيرة أظهرت اتساع الفجوة بين الحكومة وبعض القوى المعارضة، في وقت لا تملك فيه الحكومة رفاهية تمرير مشروعها المالي بأصوات أغلبيتها الخاصة.

المشكلة هنا لا تتعلق بالأرقام فقط، وإنما بطبيعة القرارات التي يجب على الحكومة اتخاذها، فهولندا تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا لزيادة الإنفاق الدفاعي، وتمويل الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، ومعالجة أزمة السكن، والسيطرة على ملف الهجرة واللجوء، والاستثمار في التحول المناخي والطاقة، وكل ذلك في ظل الحاجة إلى المحافظة على الانضباط المالي.

المعضلة الاقتصادية والمالية

رغم أن الاقتصاد الهولندي لا يعيش حالة ركود حاد، فإن الحكومة تواجه معادلة مالية صعبة، وتشير التوقعات الحكومية إلى نمو اقتصادي بنحو 1.4% في 2026 و1.1% في 2027، أي نمو معتدل وليس قويًا بما يكفي لتغطية جميع الالتزامات السياسية الجديدة بسهولة. 

كما أن العجز المالي متوقع أن يبلغ نحو 2.8% من الناتج المحلي في 2026 و2.1% في 2027، ما يترك هامشًا محدودًا أمام الحكومة لزيادة الإنفاق دون إجراءات مقابلة.

وتزداد صعوبة الموقف بسبب ارتفاع تكلفة المعيشة والضرائب والإصلاحات الاجتماعية، فالاتفاق الائتلافي يتضمن إجراءات لزيادة الإيرادات، إلى جانب تخفيضات في بعض بنود الضمان الاجتماعي، كما يتضمن إصلاحات في إعانات البطالة ونظام التقاعد والتأمين الصحي. 

وقدّر مكتب التخطيط الهولندي CPB أن الاتفاق الائتلافي يؤدي في المتوسط إلى انخفاض القوة الشرائية بنحو 0.4% سنويًا، وهو ما يجعل تمرير الإجراءات الاجتماعية والمالية سياسيًا أكثر صعوبة، وهو ما تعيشه الاسرة في هولندا.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية: الحكومة تحتاج إلى المال لتنفيذ برنامجها، لكنها لا تستطيع بسهولة زيادة الإنفاق والضرائب في الوقت نفسه دون مواجهة اعتراضات من أحزاب المعارضة ومن قطاعات اجتماعية واقتصادية مختلفة.

الدفاع: الأمن يفرض فاتورة جديدة

يمثل الملف الدفاعي تحديًا آخر، فالتغير في البيئة الأمنية الأوروبية، والحرب الروسية في أوكرانيا، والضغوط داخل حلف الناتو، تدفع هولندا نحو زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري.

وقد تعهدت بالفعل حكومة ييتن بزيادة الإنفاق على الدفاع بصورة كبيرة، وصولًا إلى الالتزام بهدف الناتو الجديد البالغ 3.5% من الناتج المحلي للإنفاق الدفاعي الأساسي، وهو التزام يحتاج إلى موارد مالية ضخمة على المدى الطويل، ويتضمن الاتفاق الائتلافي استثمارات إضافية كبيرة في القوات المسلحة، في وقت تحتاج فيه الحكومة أيضًا إلى تمويل قطاعات مدنية مثل الصحة والتعليم والإسكان.

وهذه المعادلة تضع الحكومة أمام سؤال سياسي صعب: من سيدفع ثمن إعادة تسليح هولندا؟ هل المواطن من خلال الضرائب؟ أم قطاعات الرعاية الاجتماعية عبر خفض الإنفاق؟ أم الشركات من خلال زيادة الأعباء؟ وفي حكومة أقلية، يمكن لأي خيار من هذه الخيارات أن يتحول إلى أزمة برلمانية.

اللجوء والهجرة: الملف الأكثر حساسية سياسيًا

أما قضية اللجوء والهجرة فتظل من أكثر الملفات قدرة على تفجير التناقضات داخل السياسة الهولندية، فالحكومة تريد إظهار قدرة أكبر على السيطرة على الهجرة واللجوء، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى التعامل مع الالتزامات القانونية الأوروبية والهولندية، ومع واقع أن ملف الهجرة أصبح أحد أبرز مصادر الاستقطاب السياسي.

وهنا تجدر الاشارة الى ان الاتفاق الائتلافي لحكومة الاقلية الهولندية يتضمن إجراءات أكثر تشددًا في نظام اللجوء، إضافة إلى ما وصف بأنه “توقف طارئ” مؤقت في بعض جوانب منظومة اللجوء، بعضها ممنهج والاخر طارىء، بالاضافة الى القيود التي فرضها العمل بميثاق الهجرة واللجوء الجديد منذ يونيو الماضي، وقد اشرنا اليه في عديد تقارير المركز الاوروبي لقياس الرأي.

لكن المشكلة أن تشديد السياسة يحتاج إلى دعم برلماني واسع، في حين أن أحزاب المعارضة تختلف جذريًا في رؤيتها للملف: فالقوى اليمينية تريد قيودًا أشد، بينما ترفض القوى اليسارية بعض الإجراءات التي تعتبرها مخالفة لمبادئ الحماية وحقوق الإنسان.

وهكذا تصبح قضية اللجوء اختبارًا لقدرة رئيس الوزراء الهولندي على إيجاد منطقة وسطى بين شركائه في الحكومة والمعارضة التي يحتاج إليها للبقاء.

البيئة وأزمة النيتروجين

ولا تقل أزمة البيئة والنيتروجين تعقيدًا، فلم لا يعلم تد قضايا البيئة والزراعة والثروة الحيوانية من اعقد القضايا التي تمس قطاع كبير وحيوي في هولندا التي تواجه منذ سنوات أزمة مرتبطة بانبعاثات النيتروجين وتأثيرها على المناطق الطبيعية المحمية، وقد أدى ذلك إلى تعطيل أو إبطاء مشاريع البناء والزراعة والبنية التحتية.

وهذا ما دفع الحكومة الهولندية في في يونيو الماضي الى طرح حزم إجراءات تهدف إلى إخراج البلاد من حالة “الجمود النيتروجيني”، عبر خفض الانبعاثات ووضع قواعد جديدة للمزارع والمناطق القريبة من الطبيعة الحساسة، لكن تنفيذ هذه الإجراءات يصطدم بمصالح المزارعين، والقطاع الزراعي، والبلديات، والمشروعات الاقتصادية، إضافة إلى الانقسامات السياسية حول حجم التضحيات المطلوبة.

وبذلك لا تصبح البيئة مجرد قضية مناخية، بل تتحول إلى قضية اقتصادية واجتماعية وقانونية وسياسية في الوقت نفسه.

حكومة الأقلية أمام سؤال البقاء

المشكلة الجوهرية إذن ليست أن حكومة “ييتن” تواجه أزمة واحدة، بل أنها تواجه عدة أزمات في وقت واحد، بينما تمتلك أقلية برلمانية، وهذه هي النقطة التي تجعل الموازنة المقبلة لحظة حاسمة.

وهذا يؤكد ان تمرير الميزانية بدون دعم المعارضة مستحيل، والمعارضة تدرك أن هذه هي اللحظة التي تستطيع فيها فرض تنازلات سياسية ومالية، وقد بدأت بالفعل مفاوضات الميزانية، لكن الفوارق بين الحكومة والمعارضة وُصفت بأنها كبيرة، ما يشير إلى أن الوصول إلى اتفاق لن يكون سهلًا.

ومن هنا يمكن القول إن مستقبل حكومة “ييتن” رئيس الوزراء الهولندي لن يتحدد فقط بقدرتها على إدارة الاقتصاد أو ملف اللجوء أو البيئة أو الدفاع كل على حدة، وإنما بقدرتها على بناء تحالفات متغيرة داخل البرلمان، فإذا نجحت في عقد تسويات مع قوى المعارضة، فقد تتحول حكومة الأقلية إلى نموذج قابل للاستمرار، أما إذا فشلت في تمرير الموازنة أو أصبحت عاجزة عن تنفيذ برنامجها، فإن السؤال لن يكون فقط حول سقوط مشروع سياسي، بل حول جدوى تجربة حكومة الأقلية نفسها.

ولهذا تبدو الأيام القليلة المقبلة حاسمة بالنسبة للحكومة التي تقف أمام معادلة دقيقة: عليها أن تنفق أكثر على الدفاع، وأن تحافظ على الاقتصاد، وأن تضبط الهجرة، وأن تعالج أزمة النيتروجين والإسكان، وفي الوقت نفسه أن تقنع البرلمان والمجتمع بأن هذه السياسات يمكن تمويلها وتحمل تكلفتها.

في المحصلة إن نجاح الحكومة الهولندية لن يقاس بعدد القرارات التي تعلنها، بل بقدرتها على تحويل الأقلية البرلمانية إلى أغلبية سياسية مؤقتة حول الملفات الكبرى، وإذا عجزت عن ذلك، فإن تجربة الحكومة الأقلية قد تتحول من محاولة للخروج من حالة الجمود السياسي الهولندي إلى أزمة سياسية جديدة تعيد البلاد إلى مربع الانتخابات المبكرة وعدم الاستقرار.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *