كيف سقط حليف ترامب وبوتين في أوروبا
ابوبكر باذيب
شهدت المجر تحوّلاً سياسياً كبيراً عقب الاطاحة برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في الانتخابات البرلمانية التي أعلنت نتائجها امس الاحد 13 ابريل 2026، والتي أنهت أطول حقب رئاسة الوزراء في أوروبا، بعد سنوات من الهيمنة السياسية، وجاءت هذه الانتخابات محمّلة بدلالات داخلية وأوروبية ودولية، نظراً لما يمثله “أوربان” من إثارة للجدل والمزايدات داخل الاتحاد الأوروبي وعلاقاته المركبه مع بوتين وترامب.
حيث أظهرت النتائج النهائية فوز حزب “تيسا” المعارض بقيادة بيتر ماجيار بأغلبية ساحقة، حيث حصل على نحو 138 مقعداً من أصل 199 في البرلمان، أي أغلبية دستورية تقارب الثلثين. في المقابل، تراجع حزب “فيدس” بزعامة أوربان إلى حوالي 55 مقعداً فقط.
وبالرغم من الفارق الكبير في نسب الاستحواذ على المقاعد البرلمانية الا ان حزب “تيسا” الفائز لم يحصل على مستوى الأصوات الا على قرابة 52% من اجمالي المشاركين في التصويت والذين وصلوا الى مشاركة قياسية تجاوزت 77% من الناخبين.
عكست هذه النسب والارقام تحولاً جذرياً في المزاج الشعبي، حيث صوّت الناخبون بكثافة لإنهاء حكم استمر سنوات طويلة، تولى خلالها “أوربان” رئاسة الوزراء لفترة متواصلة امتدت نحو 16 عاماً، رسخ خلال هذه الفترة نموذجاً سياسياً وصفه بـ“الديمقراطية غير الليبرالية”، قائم على تعزيز السلطة التنفيذية وتقليص نفوذ المؤسسات المستقلة، اعتمد خطاباً قومياً محافظاً، وركّز على قضايا الهوية والهجرة، ما أكسبه شعبية داخلية لكنه أثار انتقادات أوروبية واسعة.
بالحديث عن “أوربان” لا يمكن تجاوز حضوره الخارجي وعلاقته الوثيقة بالرئيس الروسي بوتين والتي تميّزت بصوت خارج عن الاجماع الاوروبي، حيث عارض عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا، وواصل التعاون في مجال الطاقة رغم الحرب في أوكرانيا، في المقابل كان “أوربان” أبرز حلفاء ترامب في أوروبا، واعتُبر نموذجاً ملهماً لتيار “اليمين الشعبوي” في الغرب.
وقد دعمه ترامب علناً خلال الانتخابات، وهذا ما يجعل من هزيمته ضربة سياسية غير مباشرة لكل من بوتين وترامب، إذ فقدا حليفاً قوياً داخل الاتحاد الأوروبي كان يعرقل بعض سياسات بروكسل، خاصة فيما يتعلق بروسيا وأوكرانيا.
اتخذ فيكتور أوربان طوال سنوات حكمه مواقف متشددة تجاه الاتحاد الأوروبي، واصطدم مرارًا بمؤسساته. كما عارض سياسات الهجرة الأوروبية، ورفض بعض العقوبات على روسيا، وعطّل قرارات أوروبية مهمة، بما في ذلك حزم دعم لأوكرانيا، وأسهمت هذه السياسات، إلى جانب عوامل أخرى، في جعل القرار الأوروبي في العديد من المراحل مترددًا ومتأخرًا في أوقات عدة، مما أدى إلى توتر دائم مع بروكسل.
في المقابل يأتي رئيس الوزراء الجديد بيتر ماجيار من خلفية سياسية مختلفة، إذ كان سابقاً عضواً في حزب “أوربان” قبل أن ينشق ويؤسس حركة معارضة إصلاحية، وقد ركّز في حملته على مكافحة الفساد، وإعادة بناء المؤسسات الديمقراطية، وتحسين الخدمات العامة، إضافة إلى إعادة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.
ويمثل فوزه بالضرورة تحوّلاً نحو سياسات أكثر تقارباً مع أوروبا والغرب، مع توجه واضح لتخفيف التوتر مع بروكسل واستعادة التمويل الأوروبي المجمد، كما يُتوقع أن تنتهي سياسة التعطيل التي اتبعها أوربان داخل الاتحاد، ما قد يعزز وحدة الموقف الأوروبي في قضايا كبرى مثل الحرب في أوكرانيا.
وفي تقدير للمشهد لا يمكن قراءة خسارة فيكتور أوربان بمعزل عن تحوّل سياسي ملحوظ تشهده القارة الأوروبية، يتمثل في بداية تراجع زخم أحزاب اليمين المتطرف وصعود يمين الوسط التقليدي، الذي حافظ على اوروبا قوية لسنوات طويلة، فقد بدأت قطاعات من الناخبين الأوروبيين تميل إلى إعادة التوازن، بعد سنوات من صعود الخطابات الشعبوية، نحو تيارات سياسية أقرب إلى تلك التي أسست المشروع الأوروبي عقب الحرب العالمية الثانية.
هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لدى الشارع بأن الاندفاع وراء الخيارات المتطرفة لم يحقق الاستقرار أو الازدهار المنشود، بل أدى في بعض الحالات إلى توترات داخلية وخارجية، وقد برز ذلك بحضور أقوى وفعالية واسعة في الانتخابات العام الماضي في هولندا وألمانيا على سبيل المثال، حيث مالت النتائج نحو اتجاه قوى لسياسية أكثر اعتدالاً، تؤمن بالتكامل الأوروبي وتحافظ على الإرث المؤسسي الذي قام عليه الاتحاد.
وإذا كان لهذا التحول من دلالة بنيوية، فهو يشير إلى بداية مراجعة جماعية لدى الناخب الأوروبي والمخيال الغربي، وإلى رغبة ايضا في العودة إلى النهج الذي بنى أوروبا الحديثة وحافظ على استقرارها لعقود.
وبالعودة إلى دراماتيكيات الانتخابات المجرية، فقد كانت أبرز مشاهد اعلان خسارة “أوربان” تسابق القادة الاوروبيين إلى تهنئة “بيتر ماجيار” بالفوز بالانتخابات المجرية، وتصريحاتهم بإنجاز عودة المجر الى سياق الفلسفة السياسية الاوروبية، كما أن مشهد اقرار “اوربان” بهزيمته وهو من اعتاد على حدّة التصريحات وشراستها لم يتوقعه الكثيرون ، فقد أقرّ الرجل بهزيمته بعد نحو ثلاث ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع، معترفاً بأن النتيجة كانت “واضحة” و”مؤلمة”.
في المحصلة شكلت انتخابات 2026 في المجر نقطة تحول تاريخية، ليس فقط داخلياً بل أوروبياً أيضاً. فخسارة “أوربان” أنهت حقبة سياسية طويلة اتسمت بالاستقطاب والتوتر مع الاتحاد الأوروبي، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة أكثر انفتاحاً، كما أن النتائج تعكس تراجع نفوذ التيار الشعبوي المرتبط بترامب وبوتين داخل أوروبا، في مقابل صعود توجهات أكثر اعتدالاً وتكاملاً مع المشروع الأوروبي.


