إسبانيا بين حصار الهجرة واختبار السياسة
د.ابوبكر باذيب
يبدو أن ملف الهجرة سيظل يتصدر أولويات الأجندة الأوروبية، متقدمًا على كثير من الملفات الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، كما يبدو أن دول العالم الأول في القارة الأوروبية ستبقى الوجهة الأكثر جاذبية وأهم أحلام الملايين من أبناء الجنوب في دول العالم الثالث الباحثين عن وطن جديد وحياة أكثر استقرارًا، غير أن الصورة المثالية التي طالما روجت لها أوروبا عن نفسها لم تعد حاضرة بالقدر نفسه، إذ باتت قيمها الإنسانية تظهر بصورة أوضح في نصوص القوانين ولوائحها أكثر مما تنعكس في السياسات والممارسات على أرض الواقع.
فأزمة الهجرة التي واجهها إسبانيا لم تكن مجرد تحدٍ أمني على حدود مدينة سبتة، بل تحولت إلى اختبار سياسي وأخلاقي يكشف حجم التناقضات داخل الاتحاد الأوروبي، فحين تتدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى دولة واحدة خلال فترة وجيزة، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل فشلت مدريد في حماية حدودها؟ بل: أين تبدأ مسؤولية أوروبا الجماعية عن حدودها الجنوبية، وأين تنتهي مسؤولية الدولة التي وجدت نفسها في مواجهة الأزمة وحدها؟
إن اختزال المشهد في صورة حدود مخترقة أو قوات أمن مرهقة يتجاهل جذور المشكلة، ويغفل أن الهجرة ليست حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات سياسية واقتصادية وصراعات إقليمية دفعت آلاف البشر إلى البحث عن منفذ للحياة مهما كانت المخاطر.
لقد تعرضت الحكومة اليسارية برئاسة بيدرو سانشيز لهجوم سياسي وإعلامي قاسٍ، وكأن الأزمة صُنعت في مدريد وحدها، بينما الحقيقة أن إسبانيا كانت طوال السنوات الماضية من أكثر الدول الأوروبية التي حاولت الموازنة بين حماية الحدود واحترام الالتزامات الإنسانية.
إلا أن هذه المقاربة أصبحت اليوم تُقدَّم في الخطاب السياسي الأوروبي باعتبارها سببًا في جذب مزيد من المهاجرين، وهو خطاب يجد صداه لدى الأحزاب اليمينية التي ترى في كل موجة هجرة دليلًا على فشل السياسات الليبرالية، لكن هذا الطرح يتجاهل أن دوافع الهجرة لا تصنعها سياسات الاستقبال فقط، بل تصنعها أيضًا الحروب، والانهيار الاقتصادي، وشبكات التهريب، وغياب الأمل في بلدان المنشأ.
واللافت أن بعض العواصم الأوروبية لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها تحديًا يستدعي التضامن، بل باعتبارها خطرًا ينبغي عزله داخل الحدود الإسبانية، وبدل أن تتسابق الحكومات لتقاسم الأعباء أو دعم مدريد لوجستيًا وسياسيًا، برزت دعوات لتشديد الرقابة على الحدود الداخلية ومنع انتقال المهاجرين إلى دول أخرى، وكأن المطلوب هو احتواء الأزمة داخل إسبانيا لا معالجتها على المستوى الأوروبي.
هذا السلوك يعكس أزمة أعمق في فلسفة الاتحاد الأوروبي، حيث يتراجع مبدأ التضامن أمام الحسابات الانتخابية والخوف من صعود اليمين الشعبوي.
ومن زاوية أخرى، فإن المواطن العربي أو الإفريقي الذي ينظر إلى أوروبا باعتبارها مساحة للفرص قد يسيء قراءة هذه المشاهد، فالتدفقات الكبيرة لا تعني أن الطريق أصبح أكثر سهولة، بل غالبًا ما تؤدي إلى نتيجة معاكسة تمامًا، فكل موجة هجرة استثنائية تمنح الحكومات الأوروبية مبررًا سياسيًا لتشديد القوانين، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وتسريع إجراءات الإبعاد، وتشديد شروط اللجوء، وهو ما يعني أن من يدفع الثمن في النهاية ليس فقط المهاجر غير النظامي، بل أيضًا طالب اللجوء الحقيقي الذي يهرب من الحرب أو الاضطهاد.
والحقيقة أن أوروبا بدأت بالفعل في إعادة صياغة فلسفتها تجاه الهجرة واللجوء منذ دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التنفيذ خلال يونيو الماضي، وهو الميثاق الذي يمثل تحولًا جوهريًا في السردية الأوروبية التقليدية التي طالما ارتبطت بحماية اللاجئين وفتح أبواب اللجوء وفق اعتبارات إنسانية.
فقد أقرت دول الاتحاد الأوروبي منظومة جديدة من القيود والإجراءات المشددة تهدف إلى إحكام السيطرة على الحدود وتسريع إجراءات البت في طلبات اللجوء وإعادة من لا تنطبق عليهم الشروط، في تحول غير مسبوق مقارنة بما عرفته أوروبا في تاريخها الحديث، غير أن هذا التحول، رغم دوافعه الأمنية والسياسية، قد يفرز تحديات أكثر تعقيدًا، إذ قد يدفع بعض المهاجرين إلى طرق غير نظامية أكثر خطورة، ويغذي أنشطة شبكات التهريب والجريمة المنظمة، كما قد يزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي ويخلق أعباء اقتصادية وأمنية جديدة داخل المجتمعات الأوروبية، والأهم من ذلك أن هذه السياسات لن تؤثر فقط في من يفكر اليوم بالهجرة إلى أوروبا، بل ستمتد آثارها إلى ملايين المهاجرين المقيمين أصلًا داخل القارة، الذين قد يجدون أنفسهم أمام بيئة سياسية وتشريعية أكثر تشددًا وأقل تقبلًا للهجرة مما كانت عليه خلال العقود الماضية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن تدفع هذه الأزمة إسبانيا إلى التخلي عن نهجها الإنساني؟ الواقع السياسي يقول إن أي حكومة، مهما كانت توجهاتها، تخضع في النهاية لضغط الرأي العام والحكومة الإسبانية قد تجد نفسها مضطرة إلى تبني سياسات أكثر صرامة، ليس لأنها تخلت عن مبادئها، بل لأن استمرار الأزمة دون حلول أوروبية سيجعل أمن الحدود أولوية تتقدم على الاعتبارات الإنسانية، وهنا تكمن المفارقة؛ فالدول التي انتقدت مدريد اليوم قد تكون هي نفسها سببًا في دفعها غدًا نحو سياسات كانت ترفضها سابقًا.
أما سياسيًا، فإن هذه الأزمة تمثل أحد أصعب الاختبارات التي واجهها بيدرو سانشيز منذ وصوله إلى السلطة. فقد نجح خلال السنوات الأخيرة في بناء صورة دولية لرئيس حكومة يمتلك استقلالية في القرار، سواء من خلال مواقفه المؤيدة للحقوق الفلسطينية، أو تحفظه في بعض الملفات المتعلقة بزيادة الإنفاق العسكري، أو محاولته الدفاع عن هامش أوسع للقرار الإسباني داخل أوروبا، غير أن السياسة الداخلية كثيرًا ما تكون أكثر قسوة من السياسة الخارجية، إذ إن الناخب يحاسب حكومته أولًا على الأمن والاقتصاد وإدارة الأزمات اليومية، قبل أن يمنح أهمية لمواقفها الدولية.
ومع ذلك، سيكون من التسرع اعتبار أن أزمة الهجرة وحدها قادرة على إسقاط حكومة سانشيز، فبقاء أي حكومة أو رحيلها لا يتوقف على ملف واحد، بل على قدرتها في إدارة الأزمة، وإقناع الرأي العام بأن ما حدث يمثل تحديًا أوروبيًا مشتركًا وليس إخفاقًا إسبانيًا منفردًا.
وإذا نجحت مدريد في تحويل النقاش من لوم الحكومة إلى مساءلة السياسات الأوروبية تجاه الهجرة، فقد تتمكن من تقليل الخسائر السياسية، أما إذا استمر الانقسام الأوروبي، وتواصلت الضغوط الداخلية، فإن أزمة سبتة قد تتحول إلى نقطة تحول في السياسة الإسبانية، تدفع البلاد إلى مراجعة شاملة لسياسات الهجرة، وربما تعيد رسم موازين القوى السياسية في الانتخابات المقبلة.
في المحصلة إن ما تشهده إسبانيا اليوم ليس مجرد أزمة حدود، بل مرآة تعكس مأزق أوروبا بأكملها في التعامل مع الهجرة، فالقارة التي تتغنى بحقوق الإنسان تجد نفسها في كل أزمة أمام معادلة صعبة بين حماية الحدود والحفاظ على القيم التي قامت عليها، وبين هذين الخيارين تقف إسبانيا اليوم وحيدة في الواجهة، تتحمل عبئًا يتجاوز حدودها، بينما يراقب الآخرون المشهد من خلف أسوارهم، وكأن البحر المتوسط لم يعد جسرًا بين الضفتين، بل خطًا فاصلًا بين قيم تُرفع في الخطابات وسياسات تُطبق على الأرض.




