تحول أولويات أوروبا: من دولة الرفاه إلى إدارة الأزمات
كيف أعادت الحرب والطاقة والهجرة والازمات الاقتصادية تشكيل السياسات الأوروبية؟
د.ابوبكر باذيب
شهد الاتحاد الأوروبي خلال العقود الثلاثة الماضية مرحلة اتسمت بالاستقرار النسبي، حيث انصبت أولويات الحكومات الأوروبية على تعزيز دولة الرفاه، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وترسيخ مبادئ السوق الحرة، ودعم التحول البيئي، والدفاع عن حقوق الإنسان بوصفها ركائز للنموذج الأوروبي، والصورة البورتريه التي حاولت تسويقها للعالم باعتباره قالب يمكن تعميم تجربته، ومثالاً يحتذى به، قابل للقياس، ومبرر للدعم والنفوذ.
غير أن السنوات القليلة الماضية حملت تغيرات جيوسياسية واقتصادية متسارعة أدت إلى إعادة ترتيب هذه الأولويات بصورة غير مسبوقة، فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وقبلها جائحة كورونا، دخلت أوروبا مرحلة جديدة عنوانها “إدارة الأزمات”، ولم تعد القضايا التقليدية المرتبطة بالنمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي تتصدر المشهد، بل تقدمت ملفات الأمن والدفاع، وأمن الطاقة، ومواجهة التضخم، وحماية سلاسل الإمداد، وضبط الهجرة، إلى رأس جدول الأعمال الأوروبي.
وشكلت الازمات والحروب في الشرق الأوسط، والاضطرابات في البحر الأحمر ومضيق هرمز، إلى جانب تصاعد المنافسة الاقتصادية مع الولايات المتحدة والصين، أعباءً إضافية على صانع القرار الأوروبي، أثر بوضوح في الأولويات الاستراتيجية الجديدة للاتحاد الأوروبي، التي تركز على الأمن والدفاع، والتنافسية الاقتصادية، وإدارة الهجرة، وتعزيز السيادة الأوروبية.
نحاول في هذا التقرير أبرز التحولات التي طرأت على أولويات أوروبا، وكيف انتقلت من نموذج يركز على الرفاه والاندماج الاقتصادي إلى نموذج يمنح الأولوية للأمن والاستقرار الاقتصادي والقدرة على مواجهة الأزمات.
أولاً: الأمن والدفاع… الأولوية الأوروبية الجديدة
أعادت الحرب الروسية الأوكرانية تشكيل مفهوم الأمن الأوروبي بصورة جذرية، فبعد سنوات طويلة من خفض الإنفاق العسكري والاعتماد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية، أصبحت الحكومات الأوروبية مقتنعة بأن البيئة الأمنية تغيرت وأن الردع العسكري لم يعد خياراً بل ضرورة، وأن أولويات واستراتيجيات الدفاع باتت من الماضي، وأن واقع الصراع اليوم يتطلب تنوع في توجهات الدفاع وتبني استراتيجية هجومية تفرضها واقع مراحل الحرب.
وقد دفعت الحرب دول الاتحاد الأوروبي إلى زيادة ميزانيات الدفاع، وتحديث الجيوش، والاستثمار في الصناعات العسكرية، مع تعزيز التعاون داخل حلف شمال الأطلسي، كما دفعت الاتحاد الى تبنى هدفاً جديداً يقضي برفع الإنفاق المرتبط بالدفاع والأمن تدريجياً حتى يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو تحول يعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجه القارة.
ولم يعد الأمن الأوروبي مرتبطاً فقط بالحدود الشرقية مع روسيا، بل أصبح يشمل الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية، وتأمين سلاسل الإمداد، ومواجهة التهديدات الهجينة، وهو ما يفسر تصاعد الإنفاق العسكري على حساب بنود أخرى في الموازنات العامة، وبات أولوية وجودية إذا ما رغبت أوروبا استمرار حضورها وتأثيرها في العالم
ثانياً: الاقتصاد والتضخم والاستقرار السياسي
إلى جانب التحديات الأمنية، واجه الاقتصاد الأوروبي موجة تضخم غير مسبوقة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية، وانعكس ذلك مباشرة على تكاليف المعيشة، وأسعار الغذاء، والإيجارات، والنقل، مما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطن الأوروبي، وهو لم يعتد على ذلك، واضطرت البنوك المركزية إلى تشديد السياسات النقدية لفترات متتالية للحد من التضخم، وهو ما ساهم في تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف الاقتراض، خاصة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة.
وأصبحت القضايا الاقتصادية عاملاً رئيسياً في تشكيل المزاج الانتخابي داخل العديد من الدول الأوروبية، حيث ساهمت الضغوط المعيشية في صعود الأحزاب اليمينية والشعبوية وإضعاف الأحزاب التقليدية في عدد من الانتخابات الوطنية والأوروبية، والى تبني أحزاب الوسط واليسار أيضا توجهات تخالف اعتدالها السابق، كمحاولة منها لاستيعاب غضب الشارع ومحاولة لتسويق برجماتية يمكن ان يسهم في حضورها وزيادة شعبيتها.
ولم تعد الحكومات الأوروبية تُقيَّم فقط بقدرتها على تقديم الخدمات الاجتماعية، بل أيضاً بقدرتها على السيطرة على التضخم، وحماية الوظائف، والحفاظ على تنافسية الاقتصاد الأوروبي، وهذا بالضرورة أعاد ترتيب أولويات الحكومات من تقدير مصالح المواطن والرفاه الى التنافس على الاستقرار الاقتصادي.
ثالثاً: أمن الطاقة قضية أمن قومي
كانت الحرب الروسية الأوكرانية نقطة تحول حقيقية في ملف الطاقة الأوروبي، إذ كشفت حجم اعتماد العديد من الدول الأوروبية على الغاز الروسي، الأمر الذي دفع الاتحاد الأوروبي إلى البحث سريعاً عن مصادر بديلة.
وبالفعل بدأت أوروبا في تنويع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، وتعزيز التعاون مع دول منتجة للطاقة، والاستثمار بصورة أكبر في الطاقة المتجددة، مع تسريع مشاريع الربط الكهربائي والبنية التحتية للطاقة، ولم يعد أمن الطاقة يُنظر إليه باعتباره ملفاً اقتصادياً فحسب، بل أصبح جزءاً من الأمن القومي الأوروبي، لأن أي اضطراب في إمدادات الطاقة ينعكس مباشرة على الصناعة والأسعار والاستقرار الاجتماعي.
وقد انعكست هذه التحولات بصورة مباشرة على حياة المواطن الأوروبي، إذ ارتفعت تكاليف الطاقة، ولا سيما فواتير التدفئة والغاز والكهرباء، بالتزامن مع زيادة أسعار السلع والخدمات الأساسية، مما أدى إلى تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الضغوط المعيشية، وأمام هذا الواقع وجدت الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وتقديم تنازلات سياسية واقتصادية، بل وفي بعض الأحيان مراجعة بعض التوجهات البيئية التي كانت تتبناها خلال السنوات الماضية، بما ينسجم مع متطلبات أمن الطاقة واستقرار الأسواق.
كما دفعت هذه الظروف الاتحاد الأوروبي إلى إعادة صياغة علاقاته مع عدد من الشركاء الدوليين، سواء من خلال تعزيز التنسيق مع الولايات المتحدة في بعض الملفات رغم قسوة الحليف، أو توسيع التعاون مع دول منتجة للطاقة كانت العلاقات معها تحكمها سابقًا اعتبارات سياسية أو بيئية، ويعكس هذا التحول انتقال أوروبا من مرحلة تغليب الأهداف طويلة المدى، مثل التحول الأخضر، إلى مرحلة فرضتها ضرورات الحرب والأمن والاقتصاد، حيث أصبحت الاستجابة للأزمات الآنية تمثل أولوية تتقدم على كثير من الاعتبارات الأخرى.
رابعاً: اضطراب التجارة العالمية وسلاسل الإمداد
يؤثر هذا الجزء مع تبعات ما يسبقه، والمتصل بأمن الطاقة حيث كشفت الأزمات المتلاحقة التأثير الكبير الذي يلحق بسلاسل الإمداد العالمية التي يعتمد عليها الاقتصاد الأوروبي، فقد أدت الحرب في غزة، والهجمات التي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر، إلى اضطرار كثير من شركات الشحن إلى تحويل مساراتها بعيداً عن مضيق باب المندب، عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وزيادة زمن وصول البضائع.
كما أثارت التوترات المرتبطة بمضيق هرمز مخاوف إضافية بشأن إمدادات النفط والغاز العالمية، الأمر الذي زاد من حالة عدم اليقين في الأسواق الأوروبية، وتشير تحليلات اقتصادية حديثة إلى أن التعطيل الذي طال الملاحة في مضيق هرمز أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الضغوط التضخمية داخل أوروبا، وبذلك أصبح تأمين الممرات البحرية وحماية التجارة الدولية جزءاً لا يتجزأ من الأمن الاقتصادي الأوروبي.
خامساً: العلاقة مع الولايات المتحدة واستثناء “ترامب”
رغم استمرار التحالف الاستراتيجي بين أوروبا والولايات المتحدة، فإن العلاقة بين الطرفين تشهد في الوقت ذاته تزايداً في الضغوط الاقتصادية والتجارية، وأصبحت الدول الأوروبية مطالبة بتحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع داخل حلف الناتو، بالتوازي مع استمرار الضغوط الأمريكية لزيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، وكان لذلك تداعيات على الجوانب الاقتصادية وبروز الخلافات خصوصا فيما اتصل بالرسوم الجمركية التي أثرت في بعض القطاعات الصناعية، الأمر الذي عزز النقاش داخل أوروبا حول ضرورة تحقيق قدر أكبر من “الاستقلال الاستراتيجي” في مجالات الدفاع والطاقة والصناعة والتكنولوجيا، وهنا برز السؤال الكبير: هل تستطيع أوروبا فعل ذلك؟
ورغم أن العلاقات عبر الأطلسي لا تزال تمثل حجر الأساس للأمن الأوروبي، فإن المصالح الاقتصادية لم تعد دائماً متطابقة، وهو ما يدفع الاتحاد الأوروبي إلى محاولة الموازنة بين الحفاظ على التحالف الأمني وتعزيز استقلاليته الاقتصادية.
سادساً: الهجرة واللجوء أولويات البعد الأمني
شهد ملف الهجرة تحولاً واضحاً في الفكر السياسي الأوروبي، ففي حين كانت الأولوية في السنوات السابقة تتركز على استقبال اللاجئين ودمجهم، أصبحت السياسات الحالية تميل بصورة أكبر إلى ضبط الحدود، وتسريع إجراءات البت في طلبات اللجوء، وتعزيز التعاون مع دول العبور والمنشأ للحد من الهجرة غير النظامية، ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لدى الحكومات الأوروبية بأن الهجرة أصبحت قضية ترتبط بالأمن الداخلي، والاستقرار السياسي، والضغوط الاقتصادية، وقد جعل الاتحاد الأوروبي إدارة الهجرة وحماية الحدود إحدى أولوياته الاستراتيجية خلال السنوات المقبلة، إلى جانب الأمن والدفاع والتنافسية الاقتصادية.
ولعل دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التنفيذ في 12 يونيو 2026 يمثل المحطة الأكثر دلالة في مسار التحول الذي شهدته السياسات الأوروبية خلال السنوات الأخيرة، فقد شكّل هذا الميثاق تتويجًا لسلسلة من الإجراءات التي تبنتها الدول الأعضاء السبع والعشرون بهدف إعادة ضبط الحدود الخارجية للاتحاد، وتشديد إدارة تدفقات الهجرة، وإعادة تعريف سياسات اللجوء بما يحقق توازنًا بين الالتزامات الإنسانية ومتطلبات الأمن والاستقرار الداخلي.
ويعكس هذا التحول انتقالًا واضحًا من مرحلة كانت فيها الاعتبارات الحقوقية والإنسانية تتصدر صياغة سياسات الهجرة، إلى مرحلة أصبحت فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية هي الإطار الحاكم لعملية صنع القرار، وبذلك يمكن القول إن أوروبا دخلت فصلًا جديدًا في إدارة ملف اللجوء، عنوانه تشديد الضوابط وتعزيز الرقابة، في ظل بيئة إقليمية ودولية فرضت على صانع القرار الأوروبي إعادة ترتيب أولوياته بما يتوافق مع تحديات المرحلة.
في المحصلة تشير التطورات الأخيرة إلى أن أوروبا دخلت مرحلة سياسية واقتصادية جديدة تختلف بصورة جوهرية عن المرحلة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، فقد انتقلت أولوياتها من توسيع دولة الرفاه وتعزيز الاندماج الاقتصادي إلى إدارة منظومة معقدة من الأزمات المتداخلة، تشمل الأمن والدفاع، والطاقة، والتجارة، والهجرة، والاستقرار الاقتصادي.
ومن المرجح أن تستمر هذه الأولويات خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، وعدم استقرار الشرق الأوسط، وتصاعد المنافسة الاقتصادية العالمية، ولذلك، فإن نجاح المشروع الأوروبي في المرحلة القادمة لن يقاس فقط بقدرته على تحقيق النمو الاقتصادي، بل أيضاً بمدى قدرته على تحقيق التوازن بين الحفاظ على قيمه التاريخية والاستجابة الفعالة لمتطلبات الأمن والاستقرار في عالم يشهد تحولات متسارعة.



