المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / قمة الناتو في أنقرة 2026.. إعادة رسم أولويات الأمن الأطلسي في عالم متعدد الأزمات

قمة الناتو في أنقرة 2026.. إعادة رسم أولويات الأمن الأطلسي في عالم متعدد الأزمات

قمة الناتو في أنقرة 2026.. إعادة رسم أولويات الأمن الأطلسي في عالم متعدد الأزمات

د.ابوبكر باذيب

تنعقد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة خلال يومي 7-8 يوليو 2026 وبحضور الرئيس الامريكي دونالد ترامب في أجواء من التفاعل السياسي والعسكري، وفي استعدادات أمنية غير مسبوقة، وفي توقيت يُعد من أكثر المراحل تعقيدًا التي يمر بها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة. 

حيث يرى عديد السياسيين في العالم ان الحلف يواجه أزمة وجودية وبنيوية متجذرة في التفاصيل الرئيسية التي تعد العمود الفقري لاستمرار حضوره السياسي والعسكري، فانتقادات ترامب وخلافات الانفاق العسكري والازمات التي لم تجد طريقها الى الحل، وخلافات الاولويات العسكرية التي لم يتفق عليها الاعضاء، كفيلة بهد التوافقات للمضي نحو الانجاز.

فالحرب الروسية الأوكرانية باتت صراع الاستنزاف الاول، وأزمات الشرق الأوسط في تصاعد غير مسبوق، بينما تحديات الأمن، والاقتصاد، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، اضعفت الاوروبيين وجعلتهم الحلقة الاضعف في دوائر الصراع والتنافس مع القوى الدولية الكبرى.

وفي ظل هذه البيئة المضطربة، لم تعد قمم الناتو مجرد اجتماعات دورية لمراجعة السياسات الدفاعية، بل أصبحت منصات لإعادة صياغة مفهوم الأمن الجماعي، وتحديد أدوار الدول الأعضاء في مواجهة التهديدات التقليدية والحديثة. 

وتأتي قمة أنقرة لتؤكد أن الحلف يمر بمرحلة انتقالية تهدف إلى إعادة توزيع الأعباء بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وتعزيز القدرات الدفاعية للقارة الأوروبية، مع الحفاظ على وحدة الحلف في مواجهة روسيا على الاقل، والاستعداد للتعامل مع التحديات المتزايدة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها الأزمة الإيرانية.

جدول أعمال القمة: من يحافظ على الأمن الأوروبي

يتضمن جدول أعمال القمة عددًا من الملفات التي تعكس التحولات الجارية في البيئة الأمنية الدولية، وفي مقدمتها مستقبل الحرب في أوكرانيا، ومستوى الدعم العسكري لكييف واستمراره وجودة نوعيته، ورفع الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء، وتعزيز الصناعات الدفاعية، وتطوير قدرات الردع، إلى جانب الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وأمن الفضاء، وحماية البنية التحتية الحيوية، حيث تعد هذه الاعمال من المقتضيات الاستراتيجية التي باتت تؤثر وتلامس الامن القومي لاعضاء الحلف، وخصوصا الاوروبية منها.

وتناقش القمة كذلك تطوير القدرات العسكرية المشتركة، وتسريع تنفيذ خطط الدفاع الإقليمي التي أقرها الحلف في القمم السابقة، مع التركيز على رفع جاهزية القوات، وتحسين سرعة انتشارها، وتعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي، وزيادة التنسيق بين الجيوش الأوروبية والأمريكية، وهذا ما تراجع خلال حرب ايران.

لهذا تحظى منطقة الشرق الأوسط بمكانة متقدمة على جدول الأعمال، في ضوء التوترات المرتبطة بإيران، وأمن الملاحة البحرية، وحماية سلاسل الإمداد العالمية، وانعكاسات أي تصعيد إقليمي على أمن أوروبا واستقرار الاقتصاد العالمي وهو دور تسعى تركيا، بصفتها الدولة المضيفة، إلى إبراز دورها بوصفها حلقة وصل بين أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود، وإظهار أهميتها الاستراتيجية داخل الحلف.

وتبحث القمة الملف الأكثر جدلاً والمتمثل في مستقبل الحلف نفسه، وكيفية الحفاظ على تماسكه في ظل المتغيرات الدولية، وتقديم قراءة شفافه لعلاقات الاعضاء، والعمل على إعادة صياغة العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة وأوروبا بما يضمن استمرار قوة الناتو وقدرته على الاستجابة للأزمات المستقبلية، وهذا في الحقيقة ما يلعب على تناغمه الامين العام للحلف الهولندي مارك روته. ومن منطلق الحيثيات السابقة، سنحاول تقديم تقدير للموقف في ثلاثة محاور لمناقشة الاولويات الاستراتيجية لقمة انقرة: 

المحور الأول: الخلافات الأمريكية الأوروبية وإعادة توزيع الأعباء الدفاعية

أحد أهم القضايا المطروحة أمام قادة الناتو يتمثل في إعادة توزيع المسؤوليات الدفاعية داخل الحلف، فمنذ سنوات، ترى الولايات المتحدة أن الجزء الأكبر من الإنفاق العسكري يقع على عاتقها، في حين تعتمد العديد من الدول الأوروبية على المظلة الأمنية الأمريكية دون أن تواكب ذلك بزيادة كافية في استثماراتها الدفاعية.

وقد دفعت الحرب في أوكرانيا هذه القضية إلى الواجهة بصورة غير مسبوقة، بعدما كشفت عن فجوات كبيرة في القدرات العسكرية الأوروبية، سواء من حيث حجم القوات الجاهزة، أو مخزونات الذخائر، أو القدرة الصناعية على تعويض ما يتم استهلاكه في النزاعات طويلة الأمد.

ولذلك، تتجه القمة إلى التأكيد على أن أمن أوروبا لم يعد مسؤولية أمريكية بالدرجة الأولى، وإنما مسؤولية مشتركة تستوجب قيام الدول الأوروبية بدور أكبر في الدفاع عن القارة، من خلال زيادة الإنفاق العسكري، وتعزيز جاهزية قواتها المسلحة، وتطوير قدراتها الدفاعية الذاتية، وهذا ما تم بحثه في قمة لاهاي العام الماضي بصراحة فجه من ترامب.

ومن القضايا التفصيلية التي دائما ما تشكل أزمة استراتيجية في سياسيات الدفاع الاوروبية والحلف بطبيعة الحال، هي أزمة الذخائر باعتبارها واحدة من أكثر التحديات إلحاحًا أمام أوروبا، فقد أظهرت الحرب في أوكرانيا أن معدلات استهلاك القذائف المدفعية، والذخائر الدقيقة، والصواريخ الموجهة، تفوق بكثير الطاقة الإنتاجية الحالية للمصانع الأوروبية، التي تعاني من نقص في مخزونات الذخيرة الخاصة بالدبابات وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى، الأمر الذي أثار مخاوف جدية بشأن قدرة أوروبا على خوض نزاع طويل الأمد دون الاعتماد المكثف على الإمدادات الأمريكية، وهو ما يبرره بعض الخبراء في رفض اوروبا مساعدة امريكا في حربها ضد ايران، لما تعانيه من هذا العجز الاستراتيجي.

ومن هنا، تتجه القمة إلى المطالبة بتوسيع القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية، ليس فقط عبر زيادة الإنفاق، وإنما أيضًا من خلال إنشاء خطوط إنتاج جديدة، وتنسيق المشتريات العسكرية بين الدول الأعضاء، وتشجيع الاستثمار في الصناعات الدفاعية، فالاستراتيجيات الاوروبية لم تعد مجرد هدف لشراء أسلحة إضافية، بل بناء قدرة إنتاجية مستدامة تضمن توفير الذخائر والأسلحة والمعدات بصورة مستمرة خلال الأزمات، تغطي العجز وتحقق المخزون الاستراتيجي.

ويعكس هذا التوجه تحولًا استراتيجيًا في التفكير الأوروبي، إذ لم تعد الأولوية تقتصر على الحفاظ على السلام، بل أصبحت تركز أيضًا على بناء اقتصاد دفاعي قادر على دعم الأمن الأوروبي في مواجهة التحديات المستقبلية.

المحور الثاني: روسيا التهديد الأكثر مباشرة لأمن الناتو

رغم تعدد الأزمات الدولية التي تواجه حلف شمال الأطلسي، فإن روسيا لا تزال تحتل موقع التهديد العسكري الأكثر مباشرة وخطورة لأمن الدول الأعضاء، وهو ما يفسر استمرارها في صدارة أجندة قمة أنقرة لاعتبارات امن قومي وجودي، فالحرب الروسية الأوكرانية، التي دخلت عامها الخامس، لم تعد تُنظر إليها باعتبارها نزاعًا إقليميًا بين دولتين، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الناتو على حماية أمنه الجماعي والحفاظ على تماسكه الاستراتيجي في مواجهة قوة نووية كبرى تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في أوروبا.

وقد أظهرت الحرب أن البيئة الأمنية الأوروبية تغيرت بصورة جذرية، إذ انتهت المرحلة التي كانت تعتقد فيها العديد من الدول الأوروبية أن احتمال اندلاع حرب واسعة النطاق في القارة أصبح أمرًا مستبعدًا، وأصبح التخطيط العسكري داخل الحلف يقوم على افتراض أن التهديد الروسي سيظل قائمًا خلال السنوات المقبلة، بما يفرض الانتقال من إدارة الأزمات قصيرة المدى إلى بناء استراتيجية ردع ودفاع طويلة الأمد.

وانطلاقًا من هذا الواقع، يتوقع أن تؤكد قمة أنقرة أن الردع لم يعد يعني مجرد نشر قوات إضافية على الحدود الشرقية للحلف، بل يتطلب بناء منظومة دفاعية متكاملة تشمل رفع جاهزية القوات، وزيادة حجم الوحدات القتالية القابلة للانتشار السريع، وتعزيز أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وتطوير البنية اللوجستية التي تسمح بنقل القوات والمعدات بسرعة بين دول الحلف.

ويُعد هذا التحول أحد أهم الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا، حيث كشفت المعارك عن أن الحروب الحديثة لا تُحسم خلال أسابيع، وإنما قد تمتد لسنوات، وهو ما يتطلب وجود قاعدة صناعية دفاعية قادرة على تلبية الاحتياجات العسكرية بصورة مستمرة، وعدم الاكتفاء بالمخزونات التقليدية التي صُممت في الأصل لعمليات قصيرة الأمد، خصوصا مع استخدام أدوات الحرب الهجينة، مثل الهجمات السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي، والضغوط الاقتصادية، واستغلال الانقسامات السياسية داخل الدول الغربية. 

ولذلك، فإن مفهوم الردع الذي تتبناه قمة أنقرة يتجاوز البعد العسكري ليشمل تعزيز الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الحيوية، ومواجهة حملات التأثير المعلوماتي، وزيادة قدرة المجتمعات الأوروبية على الصمود أمام الضغوط الخارجية، وهذه التفاصيل التي أظهر الايام قصور وعجز اوروبا على تحمل تداعياته.

ومن القضايا التي تحظى باهتمام خاص داخل القمة مستقبل العلاقات الروسية–الأمريكية، باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في معادلة الأمن الأوروبي، فعلى الرغم من استمرار المواجهة غير المباشرة بين الطرفين عبر الساحة الأوكرانية، فإن واشنطن تدرك أن إدارة الصراع مع موسكو تتطلب مزيجًا من الردع العسكري والضغوط الاقتصادية والحفاظ على قنوات الاتصال السياسي، وفي المقابل، تنظر روسيا إلى توسع الناتو شرقًا وتعزيز وجوده العسكري بالقرب من حدودها باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وهو ما يجعل العلاقة بين الطرفين مرشحة للاستمرار في إطار المنافسة الاستراتيجية طويلة الأمد. 

وبذلك، فإن الرسالة الأساسية التي تسعى القمة إلى ترسيخها هي أن أمن أوروبا في العقود المقبلة سيعتمد على قوة الردع الجماعي، وعلى قدرة الدول الأعضاء على الاستثمار المستمر في الدفاع، والحفاظ على وحدة القرار السياسي، وبناء منظومة أمنية قادرة على مواجهة التحديات التقليدية والهجينة التي تمثلها روسيا، بما يضمن حماية الاستقرار الأوروبي والحفاظ على توازن القوى.

المحور الثالث: إيران وأزمات الشرق الأوسط

لم تعد أجندة حلف شمال الأطلسي تقتصر على التهديدات القادمة من شرق أوروبا، بل اتسعت خلال السنوات الأخيرة لتشمل الأزمات المتصاعدة في الشرق الأوسط، التي باتت تؤثر بصورة مباشرة في أمن الدول الأوروبية ومصالحها الاستراتيجية. 

وفي هذا السياق، تحتل إيران موقعًا بارزًا على جدول أعمال قمة أنقرة، ليس بوصفها خصمًا مباشرًا للحلف، وإنما باعتبارها أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار الإقليمي، بما لذلك من تداعيات على أمن الطاقة، والملاحة الدولية، والهجرة، والإرهاب، وسلاسل الإمداد العالمية.

وتأتي هذه الأولوية في ظل التصعيد المتواصل في المنطقة، واتساع نطاق المواجهات العسكرية، وتزايد المخاوف من انتقال الصراعات الإقليمية إلى الممرات البحرية الحيوية التي تعتمد عليها أوروبا في تأمين احتياجاتها من الطاقة والتجارة، كما أن التوترات في الخليج العربي، والبحر الأحمر، وشرق البحر المتوسط، لم تعد تُنظر إليها على أنها أزمات إقليمية معزولة، بل أصبحت جزءًا من البيئة الأمنية التي تؤثر بصورة مباشرة في الأمن الأوروبي.

ومن هذا المنطلق، تسعى قمة أنقرة إلى مناقشة آليات تعزيز التعاون بين دول الحلف في مراقبة الممرات البحرية الاستراتيجية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ورفع مستوى التنسيق في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، سواء كانت هجمات على السفن التجارية، أو استهدافًا للبنية التحتية للطاقة، أو عمليات إلكترونية تستهدف المرافق الحيوية.

وفي الوقت نفسه، تدرك دول الحلف أن أي تصعيد واسع في الشرق الأوسط سيؤدي إلى آثار تتجاوز حدود المنطقة، إذ يمكن أن ينعكس على أسعار الطاقة، وحركة التجارة العالمية، وأمن سلاسل التوريد، فضلًا عن احتمال تجدد موجات الهجرة واللجوء نحو أوروبا، وهي قضايا أصبحت ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الأمن القومي الأوروبي.

ومع ذلك، لا يتبنى الناتو مقاربة تقوم على الانخراط العسكري المباشر في الصراعات الإقليمية، بل يركز على تعزيز الردع، ودعم الاستقرار، وتطوير الشراكات الأمنية، وبناء قدرات الدول الحليفة والشريكة، بما يسهم في احتواء الأزمات ومنع امتدادها إلى الفضاء الأوروبي.

وتكشف مناقشات قمة أنقرة عن تحول ملحوظ في مفهوم الأمن الأطلسي؛ فبعد أن كان اهتمام الحلف ينصب بصورة أساسية على الدفاع عن أراضي الدول الأعضاء، أصبح ينظر إلى الأزمات الإقليمية بوصفها تهديدات غير مباشرة قد تؤثر في أمنه الجماعي، ومن ثم فإن حماية أمن أوروبا لم تعد تبدأ عند حدودها الجغرافية، بل أصبحت ترتبط أيضًا باستقرار المناطق المحيطة بها، وفي مقدمتها الشرق الأوسط.

وفي النهاية، تعكس القمة قناعة متزايدة لدى الدول الأعضاء بأن أمن أوروبا لم يعد ينفصل عن استقرار الشرق الأوسط، وأن الحفاظ على أمن الممرات البحرية، وضمان تدفق الطاقة، واحتواء الأزمات الإقليمية، باتت جميعها عناصر أساسية في استراتيجية الناتو خلال المرحلة المقبلة، ومن المرجح أن تسهم القرارات التي ستصدر عن قمة أنقرة في ترسيخ هذا التوجه، بما يعكس تحول الحلف من منظمة تركز على الدفاع الإقليمي إلى تحالف أمني يتعامل مع التحديات العالمية بوصفها جزءًا لا يتجزأ

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *