ماذا بعد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
أبوبكر باذيب
تظهر ملامح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي أُقرت هذا الأسبوع، باعتبارها تحولًا مفصليًا في توجهات الإدارة الأمريكية خلال السنوات المقبلة، إذ تسعى واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية بما يعكس متغيرات البيئة الدولية وتزايد التحديات العالمية وتبدل موازين القوى. ويأتي هذا التحول في إطار إعادة تقييم الدور العالمي للولايات المتحدة وتحديد المجالات التي تتطلب تعزيز حضورها أو إعادة توزيع مواردها.
وتكشف الاستراتيجية عن انتقال واضح في مركز الاهتمام الأمريكي من القارة الأوروبية نحو آسيا وأمريكا اللاتينية باعتبارهما الساحتين الرئيسيتين للتنافس الدولي خلال المرحلة القادمة. كما تتضمن رؤية لإعادة تعريف مسؤوليات التحالفات التقليدية بحيث تتحمل القوى الحليفة نصيبًا أكبر من الأعباء الأمنية والسياسية، وهو ما يترك أثرًا مباشرًا على موقع أوروبا ودورها ضمن منظومة الأمن الغربي، ويدفعها لمراجعة خياراتها الدفاعية والاستراتيجية.
أوروبا في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
تشير الوثيقة إلى أن واشنطن لن تواصل توفير المظلة الدفاعية الواسعة لأوروبا كما كان الحال في العقود الماضية، وأن التزاماتها الأمنية ستتركز على مناطق تعتبرها ذات أولوية، ولا سيما آسيا وأمريكا اللاتينية، فيما يُترك للأوروبيين تحمل مسؤولية أمنهم بدرجة أكبر. كما توضح الاستراتيجية أن أوروبا ستواجه تحديات داخلية متفاقمة، من تباطؤ اقتصادي وضغوط اجتماعية وانقسامات سياسية، ما يجعل قدرتها على إدارة أزماتها دون دعم أمريكي مباشر موضع اختبار حقيقي. وقد يدفع هذا الدول الأوروبية إلى تعزيز التعاون الدفاعي داخل الاتحاد الأوروبي أو بناء شراكات جديدة خارج الإطار الأمريكي، في إطار مساعٍ أوسع لتعميق مفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، وهو توجه ظهرت ملامحه في الاجتماعات الأخيرة لوزراء الدفاع الأوروبيين في بروكسل.
آسيا كمحور الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
على النقيض من انخفاض مستوى الاهتمام بأوروبا، تعطي الاستراتيجية أولوية قصوى لآسيا، حيث تعمل الولايات المتحدة على تعزيز وجودها العسكري ودعم حلفائها، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، في مواجهة التهديدات المتصاعدة من الصين وكوريا الشمالية. ويعكس ذلك قناعة استراتيجية بأن آسيا أصبحت مركز الثقل العالمي الجديد، وأن أوروبا لم تعد تحتل المرتبة نفسها في خارطة التهديدات الأمريكية، وهو تحول كبير لم يشهد النظام الدولي مثيلًا له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
روسيا وأوروبا في معادلة جديدة
لا تعتبر الاستراتيجية روسيا تهديدًا حتميًا للأمن القومي الأمريكي، بل تضعها في خانة الطرف الذي يمكن أن يمثل حليفًا محتملًا إذا توفرت ظروف التعاون والمصالح المشتركة. ويشير هذا الموقف إلى رغبة واشنطن في تجنب التصعيد وترك المجال مفتوحًا لتفاهمات مستقبلية قد تساهم في استقرار النظام الدولي. كما تؤكد الوثيقة أن الخلافات بين روسيا وأوروبا تُعدّ شؤونًا إقليمية لا تنوي الولايات المتحدة الانخراط فيها مباشرة أو الانحياز لطرف دون آخر، مفضلة الاكتفاء بدور مراقب وداعم للحلول الدبلوماسية. وتبدو روسيا مرحبة بهذا التحول الذي يمنحها مساحة أوسع للمناورة في أوروبا ويخفف الضغط الأمريكي على حدودها الشرقية، ما يتيح لها فرصًا لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي داخل القارة.
تداعيات على مستقبل أوروبا
تحمل هذه الاستراتيجية تحديات وفرصًا متوازية لأوروبا، إذ تفرض عليها تحمل أعباء الدفاع الذاتي بدرجة أكبر، وإدارة المنافسة مع روسيا دون اعتماد كبير على الدعم الأمريكي، وسط احتمال تزايد الانقسامات الاقتصادية والسياسية داخل الاتحاد الأوروبي. وفي المقابل، قد تشكل هذه المتغيرات فرصة لدفع أوروبا نحو تعزيز استقلالها الاستراتيجي، وتطوير صناعاتها العسكرية، وتوسيع شراكاتها خارج الإطار التقليدي للهيمنة الأمريكية.
وفي المحصلة، تعيد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة صياغة الخريطة الجيوسياسية العالمية، حيث تنتقل الأولوية العسكرية والأمنية نحو آسيا، فيما تُترك أوروبا لتحمل مسؤولية أمنها ودورها الدولي بقدراتها الذاتية. ويبقى نجاح أوروبا في تحويل هذه التحديات إلى فرصة هو الاختبار الأكبر لقدرتها على ترسيخ استقلالها السياسي والعسكري والاقتصادي في السنوات المقبلة.




