المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / مجلس الشيوخ هل يسقط الحكومة الهولندية

مجلس الشيوخ هل يسقط الحكومة الهولندية

مجلس الشيوخ هل يسقط الحكومة الهولندية

 

هولندا بين صرامة التشريع وقيم القانون

د.جمال محسن

جلسة مجلس الشيوخ الهولندي في 21 أبريل 2026 ، لم تكن جلسة عادية تضاف إلى سجل طويل من المناقشات التشريعية، بل بدت كأنها لحظة مراجعة ذاتية لقيم وارث دولة كاملة، دولة قائمة على حماية قيم الانسانية والعدالة وتقدم نموذج غربي للتوازن بين مصالح الرأسمالية وحماية المواطنين من الاحتكار والجشع.

كانت قبلة للمضطهدين من كل انحاء العالم وتقدم نموذج للرفاه والعدالة الاجتماعية فريد من نوعه فتجد فيها توزيع شبه عادل للثروة وهناك حدود للحاجات المعيشية للمواطن والمقيم لا تمس، ولهذا فقد كانت المناقشات في الايام التي سبقت هذا اليوم تطرح سؤالا هاما وهو الى أي حد يمكن أن تذهب هولندا في تشديد سياسات اللجوء، دون أن تفقد توازنها الذي عرفت به؟

ما جرى لم يكن مجرد تصويت على قوانين، كان انعكاسا لقلق يتراكم في المجتمع، يقابله تمسّك قديم بقيم الحماية والعدالة، بين هذين الحدين تحرك النقاش، بهدوء وروية احيانا وبحدة وعصبية أحيانا أخرى.

داخل المجلس، لا توجد أغلبية مريحة يمكنها فرض رؤيتها بسهولة، هذا التنوع، الذي كان دائمًا مصدر قوة، يتحول في لحظات كهذه إلى اختبار حقيقي، بعض الأحزاب، خاصة من اليمين ومعها جزء من الوسط، دفعت نحو إجراءات أكثر صرامة، كانت الفكرة واضحة: تقليل الأعداد، ضبط النظام، وإرسال رسالة حازمة للداخل والخارج، تأكيد على أن اللاجئين لم يعد مرحب بهم.

تم تمرير إجراءات تتعلق بتقسيم اللاجئين لفئتين A,B وذلك لإعطاء كل فئة مجموعة مصنفة من الحقوق وتخفيف حقوق اخرى فقد تم وضع تشديد إجراءات لم الشمل للفئة B، وتقليص بعض الامتيازات، وتسريع البت في الطلبات، بدت هذه الخطوات، بالنسبة لمؤيديها، ضرورية، وبالنسبة لآخرين، كانت حدًا أقصى يمكن القبول به.

لكن حين طُرحت مقترحات أكثر قسوة، تغيّر المشهد، مشاريع تتحدث عن قيود شبه مغلقة، أو إجراءات قد تفضي إلى احتجاز طويل دون ضمانات كافية، أو محاولات للالتفاف على الالتزامات الأوروبية والخروج عن القيم المجتمعية .. هنا توقفت الأمور، ولم تمر.

ذلك الرفض لم يكن انفعالا سياسيا بقدر ما كان استجابة لتحذير قانوني واضح، فقد سبق أن قدّم مجلس الدولة الهولندي رأياً تفصيليا، لم يهاجم الحد من اللاجئين ولكنه انتقد النصوص القانونية المخالفة للاتفاقيات وللدستور.فقد أشار إلى أن بعض النصوص المقترحة تمس جوهر حقوق محمية، مثل الحق في الحياة الأسرية، وأنها قد تتعارض مع مبدأ عدم الإعادة القسرية، بل ذهب أبعد من ذلك، حين لفت إلى غياب التناسب في بعض الإجراءات.

بعبارة أخرى، لم يكن الاعتراض على فكرة التنظيم، بل على الطريقة التي كادت أن تخرج بها عن الإطار القانوني.

هنا تحديدا وجدت الحكومة نفسها في موقف معقد، فهي من جهة مطالبة بإظهار الحزم، ومن جهة أخرى مقيدة بقواعد لا يمكن تجاوزها، ليس لأن القانون يفرض نفسه فقط، بل لأن هولندا اختارت، منذ زمن، أن تكون جزء من منظومة قانونية أكثر صرامة اتجاه الحقوق.

الخروج من هذا المأزق ليس مستحيلا لكنه ليس سهلا أيضًا. إعادة صياغة القوانين تبدو خطوة أولى، لكن الأمر لا يتوقف عند تعديل نص هنا أو حذف فقرة هناك. المطلوب هو بناء توازن جديد، يحافظ على الهدف السياسي دون أن يصطدم بالقواعد القانونية.

في الوقت نفسه، يمكن للحكومة أن تتحرك في مساحات أخرى، الإجراءات الإدارية، مثل تسريع دراسة الطلبات أو تحسين إدارة مراكز الاستقبال، قد تحقق نتائج ملموسة دون إثارة نفس الإشكالات القانونية.

وهناك أيضًا البعد الأوروبي، حيث يمكن توزيع العبء بدل تركيزه، لكن الزمن ليس في صالحها، كل تأخير يقرأ في الشارع كعجز، وكل تراجع يفسر كضعف وخاصة وأنها قامت علي تحالف هش مع احزاب متناقضة سياسيا وتحمل رؤى متباينة حول الحلول الاقتصادية، وان كان حزب رئيس الحكومة D66 رفض عدد من القوانين مقدما صورة لوعي وإدراك لأهمية الحفاظ على القيم الهولندية وغلبها على مصلحته بالبقاء في الجانب الآمن لبقاء الحكومة.

لهذا السبب، لم يعد الحديث عن بقاء الحكومة أو سقوطها نظريا، الملف أصبح ثقيلا بما يكفي ليحدد مصيرها. إذا فشلت في تقديم بدائل قابلة للتطبيق، وإذا استمر الضغط الشعبي، وإذا بدأ الائتلاف في التصدع، فإن السقوط يصبح احتمالًا واقعيا، ليس غدا بالضرورة، لكن في الأفق القريب.

وفي المقابل، لا تزال هناك فرصة، إذا تمكنت من تحويل الخطاب إلى نتائج، ولو تدريجية، وإذا حافظت على تماسكها الداخلي، فقد تعبر هذه المرحلة السياسة، في النهاية، ليست فقط إدارة ملفات، بل إدارة ثقة، وهو ما تحاول أحزاب اليمين المتشدد الضغط عليه بترويج خطاب شعبي يشكك في الثقة الممنوحة للحكومة الحالية و يظهرها كحكومة عاجزة .

مع اقتراب تنفيذ ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي في يونيو، تتسع الخيارات قليلا، يمنح هذا الإطار أدوات إضافية لتنظيم تدفقات اللجوء، وتوزيع المسؤوليات داخل الاتحاد الأوروبي، لكنه في الوقت نفسه، يضع حدودا واضحة لا يمكن تجاوزها.

لن يكون ممكنا رفض الطلبات بشكل جماعي، أو إعادة أشخاص إلى أماكن غير آمنة، أو تقليص الحقوق الأساسية بحجة الضغط، هذه خطوط حمراء، ليست سياسية فقط، بل قانونية.

وهنا يظهر التحدي الحقيقي بكل وضوح: كيف يمكن تقليل الأعداد، دون المساس بالحقوق؟

سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه معقد في تطبيقه.

إذا استمرت الأمور على هذا النحو، فإن الطريق أمام هولندا يتفرع إلى أكثر من اتجاه.

قد تنجح الحكومة في إعادة ضبط المسار، تمرر قوانين معدلة متوازنة، تحقق بعض النتائج، وتستعيد جزء من ثقة الشارع، لن يكون ذلك انتصار كاملًا، لكنه سيكون كافيا للاستمرار.

وقد يحدث العكس، تتعثر المحاولات، يتزايد الإحباط، وتفتح الطريق أمام انتخابات جديدة، في تلك الحالة، قد تتغير موازين القوى بشكل أكثر حدة، وربما لصالح خطاب الاكثر تشددا وهو ما يراهن عليه حزب فيلدرز PVV.

وهناك احتمال ثالث، أقل صخبا لكنه لا يقل خطورة، أن تستمر الحكومة دون أن تحسم شيء، لا تسقط، ولا تنجح، حالة من الجمود، حيث تبقى القوانين معلقة، وتستمر الأزمة في التمدد بهدوء.

وسط كل هذه السيناريوهات، يظل هناك جانب لا يظهر في التقارير ولا في جداول التصويت. أشخاص ينتظرون قرارا، عائلات معلقة، خوف يومي من ورقة قد تصل، أو قرار قد يُتخذ، إحباط وفشل في الاندماج لعدم اليقين وهو ما يزيد الوضع صعوبة على اللاجئين وعلي الحكومة.

لهذا، فإن القضية ليست قانونا فقط، ولا سياسة فقط ..  إنها في النهاية، مسألة إنسانية.

هولندا اليوم لا تختبر فقط قدرتها على حماية حدودها، بل قدرتها على الحفاظ على صورتها صورة دولة قوية، نعم، لكنها أيضًا عادلة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *