المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / ​رحلة “الرهان الخاسر” لشباب اليمن في محارق الموت الدولية

​رحلة “الرهان الخاسر” لشباب اليمن في محارق الموت الدولية

​رحلة “الرهان الخاسر” لشباب اليمن في محارق الموت الدولية

lن شمس اليمن إلى صقيع روسيا.. الأرض مختلفة لكن الموت واحد

زكريا كرش

​منذ مدة ونحنُ نتابع بقلق شديد هذه الظاهرة الدخيلة؛ هجرة الشاب اليمني نحو الموت الاختياري. في السابق، كان وجعنا ينحصر في الخوف عليهم من تغرير المليشيات وزجهم في جبهات القتال الداخلية.

هناك، وبرغم مرارة الرحيل، يظل الشاب على أرضه؛ ومع شدة الألم في أن يُقتل المرء بيد أبناء جلدته، إلا أنه على الأقل سيُدفن في تراب بلده، ويجد جنازةً يحضرها الجميع، يترحمون عليه ويحفظون له قبراً يزوره أهله.

​لكن ما يحدث الآن في ثلوج روسيا هو “انتحار” من نوع آخر، ومأساة عابرة للحدود تلتهم زهرة شبابنا في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

المقامرة بالأرواح.. ما الذي يدفع شباب اليمن نحو محرقة “الموت الجليدي”؟

​يطرح هذا المشهد المأساوي سؤالاً جوهرياً: ما الذي يدفع الشاب اليمني لزج نفسه في صراع دولي يعلم يقيناً أن احتمالات النجاة فيه تكاد تكون منعدمة؟

​من وجهة نظري، إن الإجابة تكمن في الهروب من “مثلث الجحيم”: الفقر، الانسداد، والتسلط المليشيوي. لم يكن هذا الاندفاع نحو العدم صدفة؛ فالحرب التي نهشت جسد اليمن لسنوات، وتسيّد الجماعات المسلحة التي تضيق الخناق على المواطنين يوماً بعد آخر، حولت البلاد إلى بيئة طاردة ومستنزفة للكرامة. 

لقد وجد الشباب أنفسهم محاصرين بين مطرقة العوز والفاقة وسندان سلطة عاثت في البلاد فساداً وصادرت الحقوق والحريات، مما جعل “المقامرة بالحياة” والفرار نحو المجهول يبدو للكثيرين المخرج الوحيد من واقع لم يترك لهم مكاناً للحلم أو العيش الكريم.

​هؤلاء الشباب ليسوا مرتزقة بالفطرة، بل هم ضحايا واقع مرير تساوت فيه قيمة البقاء والفناء، فقدموا أرواحهم ثمناً لتأمين لقمة عيش لعائلاتهم بعيداً عن جحيم المليشيات، ليقعوا فريسة لـ “سماسرة” تجردوا من الإنسانية واستغلوا هذا الانكسار لبيعهم في أسواق الموت الدولية.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى “فخ العقد” و”وهم الجنسية” القاتل؛ فحين يجد الشاب أن أرضه قد سُلبت منه معنوياً ومادياً، ولم يعد هناك أفقٌ يحتويه، فإنه يندفع للبحث عن أي “هوية بديلة” تمنحه شعوراً بالاستقرار، حتى لو كان ثمنها المقامرة بحياته. ومن هنا يقع الضحية في فخ التوقيع على وثائق عسكرية بلغة روسية لا يفقه منها حرفاً، ما يسقط عنه صفته المدنية فوراً ويحوله قانونياً إلى “مرتزق” مستباح الحقوق.

أما وعود “الجنسية الروسية” التي يسيل لها لعاب الباحثين عن “وطن آمن”، فهي في الحقيقة ليست إلا فخاً لقطع صلة المقاتل ببلده الأصلي، لكي يُدفن هناك كـ “جندي روسي” سقط في الواجب، وهو إجراء يحرر تلك الدولة من أي التزامات قانونية أو تعويضات إنسانية تجاه أهله المكلومين في اليمن.  

​”إب” في قلب العاصفة (السحول والغراب نموذجاً حياً)

​على حين غرة وبلا أي مقدمات، تسلل سرطان الاستقطاب إلى أحيائنا؛ ففي مناطقنا (السحول، والغراب تحديداً )، تؤكد شهادات الأهالي وجود “سماسرة موت” وشبكات منظمة تحترف صيد الشباب.

هؤلاء لا يتحركون عبثاً، بل يستخدمون الرسائل والمقاطع الصوتية لأشخاص غُرر بهم في جبهات القتال هناك، ليجذبوا البقية بالاسم عبر وعود بمبالغ مالية وهمية. والنتيجة؟ فجع الأهالي بالفعل بمقتل شابين من أبناء منطقتنا، رحلا وتركا خلفهما أطفالاً صغاراً وحزناً أبدياً سكن بيوتهم، ولم يجنوا من وعود هؤلاء المتاجرين بالبشر سوى “اليتم” للأطفال والوجع المطبق للأمهات.

​خديعة الرفاق: حين يتحول الضحية إلى سمسار

​الأدهى والأمرّ أن الشباب لم يقعوا ضحية لمكاتب الموت والسماسرة الغرباء فحسب، بل هم ضحايا لبعض من سبقوهم إلى هناك. فبدلاً من أن يعودوا لتحذير إخوانهم بعدما شاهدوا الموت بأم أعينهم، استغل البعض ذلك الوضع لسببين أحلاهما علقم: إما طمعاً في عائد مالي مقابل كل “رأس” يستقطبونه، مُظهرين جحيم الحرب وكأنه نزهة أو لعبة، أو لرغبة بائسة في “تقاسم الفخ” وتأجيل موتهم يوماً آخر بزيادة عدد الضحايا حولهم. إنها خيانة الرفيق التي تزيد من قسوة المشهد وتجعل الجرح غائراً في جسد المجتمع.

حرب الاستنزاف: حين يصبح البشر وقوداً لصراع الكبار

​إن ما يحدث اليوم في تلك البقاع ليس مجرد نزاع حدودي، بل هو زلزال هز أركان القارة الأوروبية برمتها وأدخلها في نفقٍ مظلم من الاستنزاف، فمن أزمات طاقة خانقة إلى تضخمٍ غير مسبوق، تحولت القارة إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات الدولية وسباق تسلحٍ محموم لا يبدو له نهاية. 

وفي ظل هذه المواجهة الصفرية التي عجزت دولٌ وقاراتٌ عن احتوائها، يبرز السؤال الموجع: ما هو وزن الشاب اليمني البسيط في ميزان حربٍ لا يُنظر فيها للإنسان إلا كـ “رقم” يسد فجوات الخنادق؟

إنها محرقة عالمية يُساق إليها شبابنا ليكونوا مجرد قرابين بشرية في صراعٍ تتكسر فيه طموحات دول، فكيف بأحلام أفراد؟

​الموت المنسي خلف البحار

هناك، في الحرب الروسية الأوكرانية، المشهد مغاير تماماً وأكثر وحشية، إن لم يمت المجند بقصفٍ غادرٍ لطائرة “مسيرة” صغيرة تتربص به فوق رأسه، وتنهي حياته في لمح البصر دون أن يراها، فقد يموت وحيداً في حفرته من البرد القارس الذي لا تطيقه الأجساد التي اعتادت الدفء، سيموت ولن ينتبه له أحد، سيتحول إلى مجرد رقم تائه، ويختفي أثره مع الوقت كما يختفي الثلج تحت الشمس؛ بلا قبر، وبلا وداع، وبلا رحمة. 

الحقيقة المرة هي أنه من شمس اليمن إلى صقيع روسيا.. الأرض مختلفة لكن الموت واحد.

خاتمة.. صرخة الكرامة

​أخيراً.. إن الهروب من جحيم المليشيات وانسداد الأفق في الداخل لا يجب أن يكون ثمنه التحول إلى حطبٍ لحروب الآخرين.

إننا لا ندعو الشباب للتعايش مع القهر أو القبول بالذل تحت وطأة الفقر، بل نحذر من فخٍ يُراد منه استغلال عوزكم لتحويلكم إلى أرقام بلا قيمة في خنادق الجليد.

​أوقفوا هذا النزيف.. فاليمني الذي قاوم الانكسار في أرضه لا يليق به أن يُباع في أسواق السمسرة الدولية. إن الدم الذي يسيل في سبيل قضية ليست قضيتنا، وعلى أرض لا تعرفنا ولا نعرفها، هو استنزافٌ لكرامة الإنسان قبل حياته.

ارفضوا أن تكونوا “بضاعة” يتربح منها السماسرة، فالموت في سبيل لقمة العيش يجب أن يكون بشرف، لا أن يكون صفقة رابحة في جيوب تجار الدماء.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *