إعادة تشكيل الأمن الإقليمي: من الردع إلى الاحتواء والحوار
د.ابوبكر باذيب
يشهد الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل عميقة في موازين القوة والتحالفات، تبدو معها البنية الأمنية التي حكمت المنطقة لعقود أقل قدرة على الاستجابة للتحولات الجديدة، فقد ظل الأمن الإقليمي لعقود قائمًا بدرجة كبيرة على الحضور الأمريكي، وشبكة من التحالفات والترتيبات الأمنية الثنائية، في مقابل غياب منظومة إقليمية شاملة قادرة على إدارة الصراعات ومصادر التهديد بصورة جماعية.
غير أن هذه المعادلة بدأت تتغير بصورة واضحة، فقد كشفت التطورات العسكرية والأمنية الأخيرة عن محدودية الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية، وأظهرت أن دول المنطقة أصبحت أكثر اهتمامًا ببناء قدرات ذاتية، وتنويع شراكاتها الأمنية، وتطوير منظومات دفاعية قادرة على التعامل مع مصادر التهديد المتغيرة.
ولم يعد مفهوم الأمن الإقليمي مقتصرًا على حماية الحدود أو مواجهة الجيوش التقليدية، بل أصبح مفهومًا أكثر اتساعًا يشمل أمن الطاقة، والممرات البحرية، والمنشآت الحيوية، والأمن السيبراني، والدفاع الجوي والصاروخي، والطائرات المسيّرة، وأمن سلاسل الإمداد، وحتى القدرة على مواجهة الحروب الهجينة والمعلوماتية.
وهذا يدفعنا للحديث عن “اتفاق مكه” باعتباره مؤشرًا على انتقال مفهوم التحالفات العسكرية في المنطقة من نمط الاعتماد على المظلة الأمريكية أو الاكتفاء بالتحالفات الثنائية، نحو بناء شراكات عسكرية وأمنية أكثر تقدمًا وتعددًا في المستويات، فمثل هذه التحالفات لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها ترتيبات للدفاع المشترك وحماية الدول عند تعرضها للتهديد، وإنما باعتبارها مسارًا متدرجًا يمكن أن يبدأ بتنسيق المواقف وتبادل الخبرات العسكرية المشتركة، ثم يتطور إلى تبادل المعلومات والاستخبارات، والتنسيق العملياتي، وتطوير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، والتعاون في الأمن السيبراني، وصولًا إلى تعاون متقدم في الصناعات العسكرية ونقل وتوطين التكنولوجيا الدفاعية، ومن ثم تحقيق تفاعل استراتيجي في القيمة المضافة لاتفاق مكه الاستراتيجي تكمن في قدرته المحتملة على بناء مستويات متقدمة من التكامل الأمني والعسكري، بحيث لا يكون التحالف مجرد آلية للرد على التهديدات، وانما ردعها.
في هذا السياق، تبرز السعودية بوصفها إحدى أهم القوى التي يمكن أن تسهم في صياغة هيكل أمني إقليمي جديد، فالثقل الاقتصادي والسياسي والعسكري للمملكة، إلى جانب موقعها الجغرافي، يجعلها لاعبًا محوريًا في أي ترتيبات أمنية مستقبلية في الخليج والبحر الأحمر، كما أن تطور علاقاتها الدفاعية والاستراتيجية مع تركيا وباكستان يعكس اتجاهًا نحو تنويع الشراكات الأمنية وعدم حصرها في علاقة واحدة مع قوة دولية كبرى.
كما تبرز تركيا ايضا بدورها باعتبارها قوة عسكرية وصناعية وجغرافية رئيسيةو فامتلاكها قاعدة صناعية دفاعية متطورة، إلى جانب موقعها الذي يربط الخليج والشرق الأوسط بالبحر الأسود وأوروبا، يمنحها قدرة متزايدة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي، أما باكستان، فتضيف إلى أي ترتيبات جديدة خبرة عسكرية كبيرة وقدرات استراتيجية تجعلها طرفًا مهمًا في الحسابات الأمنية المستقبلية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل مصر، فالموقع الجغرافي المصري، والسيطرة على قناة السويس، والقدرات العسكرية، والدور التاريخي للقاهرة في الأمن العربي، تجعل مصر عنصرًا لا غنى عنه في أي منظومة أمنية إقليمية شاملة، وإذا تمكنت السعودية وتركيا ومصر وباكستان من تطوير مستوى أعلى من التنسيق الاستراتيجي، فقد تظهر نواة لمنظومة أمنية جديدة ذات وزن كبير.
لكن من غير المرجح أن يتحول هذا التعاون إلى تحالف عسكري موحد يشبه حلف شمال الأطلسي، لان الاختلافات السياسية والاستراتيجية بين القوى الإقليمية، وتباين رؤيتها تجاه إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، تجعل إنشاء تحالف عسكري شامل مهمة صعبة، لذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية هو ظهور نظام أمني متعدد المستويات، يقوم على مجموعة من التحالفات والشراكات والآليات الأمنية المتداخلة.
في المستوى الأول يمكن أن نشهد تعزيزًا للتعاون الأمني الخليجي، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي، والأمن السيبراني، وتبادل المعلومات، وحماية المنشآت الحيوية، وهذا بالضرورة مرحلة متقدمة قادرة على تحقيق مستوى من التعاون والتكامل مقبول في حدود لا يترتب عليها تباين في المواقف بين هذه الدول.
وفي المستوى الثاني، يمكن أن تتطور شراكات أوسع بين القوى الإقليمية الكبرى، مثل السعودية ومصر وتركيا وباكستان، تكون قادرة على خلق مقاربات لتقاطع المصالح وانعكاساتها بشكل مرحلي أو تكتيكي.
ويأتي في المستوى الثالث تحالف متقدم أوسع تظل الولايات المتحدة وأوروبا شريكين أساسيين في مجالات التكنولوجيا والتسليح والاستخبارات والتدريب والدفاع، ولكن ضمن علاقة أكثر توازنًا مع القوى الإقليمية.
وهنا يستلزم الحديث عن أولوية الأمن البحري ومركزيته، فالخليج العربي والبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس وشرق المتوسط أصبحت مترابطة ضمن منظومة أمنية واقتصادية واحدة، وأي اضطراب في أحد هذه الممرات يمكن أن ينعكس مباشرة على الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
ومن هنا يصبح اليمن والبحر الأحمر جزءًا أساسيًا من مستقبل الأمن الإقليمي، فباب المندب لم يعد مجرد ممر بحري، وإنما أصبح نقطة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح الخليج ومصر والدول العربية والقوى الدولية، وأي منظومة أمنية جديدة ستحتاج إلى تطوير آليات مشتركة لحماية الملاحة ومواجهة الهجمات على السفن والمنشآت البحرية، مع معالجة جذور التوترات السياسية والأمنية في المنطقة.
وهذه نقطة بالغة الحساسية فإن العمل على بناء هيكل أمني مستدام يتطلب أكثر من الاتفاقات العسكرية وبروتوكولاتها؛ فالمنطقة تحتاج إلى منظومة متكاملة لإدارة الأزمات، وآليات للإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، إلى جانب قنوات للحوار ومنع التصعيد.
وهنا تظهر إيران باعتبارها أحد أهم التحديات أمام أي نظام أمني جديد، فمحاولة عزل إيران بصورة كاملة قد تدفعها إلى تبني سياسات أكثر تصعيدًا، بينما إدماجها في المنظومة دون ضمانات واضحة قد يسمح لها بتوسيع نفوذها، ولذلك قد يكون الخيار الأكثر واقعية هو الجمع بين الردع والاحتواء والحوار، بحيث تمتلك دول المنطقة القدرة على حماية مصالحها، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام التسويات السياسية.
أما الولايات المتحدة، فمن غير المتوقع أن يتراجع حضورها، لكنها قد تنتقل تدريجيًا من دور الضامن الأمني المباشر إلى دور الشريك الاستراتيجي، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن واشنطن تتعامل مع إسرائيل بوصفها حليفًا رئيسيًا لها في المنطقة، بينما تتفاوت رؤيتها تجاه الشراكات الأخرى، التي تتأثر بدورها بالأزمات والتطورات الإقليمية والدولية، ومع ذلك من المرجح أن تظل واشنطن مؤثرة في مجالات التسليح والاستخبارات والتكنولوجيا والدفاع الجوي والطاقة، في وقت ستصبح فيه دول المنطقة أكثر حرصًا على تنويع علاقاتها الدولية وتجنب الاعتماد على قوة واحدة.
ومع دخول الصين وروسيا وأوروبا بصورة أكبر في المعادلة الأمنية والاقتصادية، وإن كان بأدوار مختلفة، فالصين تملك مصالح ضخمة في الطاقة والتجارة والبنية التحتية، وروسيا تحافظ على حضور سياسي وعسكري في المنطقة، بينما تستطيع أوروبا أن تلعب دورًا متزايدًا في الأمن البحري والطاقة والتكنولوجيا.
وبذلك، فإن النظام الأمني المستقبلي في الشرق الأوسط قد لا يكون نظامًا أحادي القيادة، بل منظومة متعددة المراكز، تتوزع فيها المسؤولية الأمنية بين القوى الإقليمية والدولية، وستكون قدرة الدول العربية على تطوير قدراتها الذاتية، وتنسيق مواقفها، وبناء مؤسسات أمنية مشتركة، عاملًا حاسمًا في تحديد شكل هذه المنظومة.
إن السؤال الأساسي في المرحلة المقبلة لم يعد من سيحل محل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؟ وإنما هل تستطيع دول المنطقة أن تصبح صاحبة الدور الرئيسي في صياغة أمنها ومستقبلها؟
إذا نجحت القوى الإقليمية في الانتقال من التحالفات المؤقتة إلى ترتيبات مؤسسية مستدامة، فقد يكون الشرق الأوسط أمام ولادة هيكل أمني جديد أكثر توازنًا وتعددًا، أما إذا بقيت الترتيبات مرتبطة بالأزمات وردود الفعل، فإن المنطقة ستظل معرضة لدورات متكررة من الصراع وإعادة تشكيل التحالفات.
ومن هنا تبرز أهمية التفكير في “هيكل الأمن الإقليمي المستقبلي” باعتباره مشروعًا استراتيجيًا لا يكتفي بتحليل الأحداث، وإنما يحاول استشراف شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل، وتحديد القوى التي ستملك القدرة على التأثير فيه، والقواعد التي يمكن أن تحكمه، والفرص والتحديات التي ستواجه بناء منظومة أمنية أكثر استقلالًا وتوازنًا.




