هل حان وقت عودة السوريين؟
د.ابوبكر باذيب
يمثل السوريون حالة من الحضور اللافت في المشهدين السياسي والإنساني الأوروبي خلال العقد الأخير على أقل تقدير، وهو حضور فرضته بشكل واضح الأزمات والحروب والثورات التي شهدتها سوريا ومنطقة شرق المتوسط، وما نتج عنها من موجات نزوح ولجوء.
وخلال السنوات الماضية، تصدرت الجنسية السورية قوائم طالبي اللجوء في العديد من الدول الأوروبية، كما شكل السوريون واحدة من أكبر المجموعات الحاصلة على الجنسيات الأوروبية، ويكفي للدلالة على حجم هذا الحضور أن عدد السوريين الذين حصلوا على الجنسية الألمانية خلال عام 2025 بلغ نحو 66 ألف شخص، وهو رقم يضعهم في صدارة المجنسين مقارنة بمعظم الجنسيات الأخرى، ويعكس حجم التحولات الديموغرافية والاجتماعية النسبية التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
وهذا يدفعنا لقراءة ما تشهده هولندا خلال الشهور الاخيرة، كما عدد من الدول الأوروبية، من تحولات ملحوظة في سياسات الهجرة واللجوء بعد أكثر من عقد على موجة اللجوء السورية التي بدأت عام 2014، بوتيرة عالية.
ففي السنوات الماضية استقبلت أوروبا مئات الآلاف من السوريين، ونجح كثير منهم في الاندماج في أسواق العمل والتعليم والمجتمعات المحلية، وأسهموا في سد نقص العمالة في قطاعات متعددة، غير أن المشهد السياسي الأوروبي تغير بصورة واضحة خلال الأعوام الأخيرة، مع تصاعد الضغوط المرتبطة بالهجرة وتشديد سياسات اللجوء والحد من تدفقات المهاجرين.
ومن المؤشرات الحاسمة لتوجهات أكثر تصعيداً هو تصويت مجلس النواب الهولندي امس الاربعاء 4 يونيو 2026 على قانون “العودة واحتجاز الأجانب”، الذي يوسع من صلاحيات الدولة في التعامل مع الأجانب الذين صدرت بحقهم قرارات مغادرة البلاد، ويتضمن القانون إجراءات أكثر صرامة لإجبار المرفوضين على تنفيذ قرارات الترحيل، إضافة إلى إدراج بعض التدابير التي كانت جزءاً من حزمة قوانين اللجوء التي طرحتها وزيرة اللجوء السابقة مارجولين فابر ولم تمر بصيغتها السابقة.
وبالتوازي مع ذلك، تتزايد داخل الأوساط السياسية الهولندية والأوروبية دعوات لإعادة النظر في أوضاع بعض السوريين الحاصلين على الحماية المؤقتة أو الإقامات المرتبطة بأسباب اللجوء، ويستند أصحاب هذا التوجه إلى المتغيرات التي شهدتها سوريا خلال الفترة الأخيرة، معتبرين أن الظروف التي أدت إلى منح الحماية لم تعد كما كانت قبل سنوات، ولم تعد واقعاً يخشى منه السوريين، لذلك تظهر مقترحات تتعلق بإعادة تقييم بعض الملفات عند تجديد الإقامة أو عند الانتقال إلى أنواع إقامة أكثر استقراراً، مثل الاقامة الدائمة.
ورغم أن هذا القانون قد يمثل الإطار الأضيق لاستمرار استقرار السوريين في هولندا، بوصفها نموذجًا لما قد تتجه إليه بعض الدول الأوروبية الأخرى، فإن تطبيقه بأثر رجعي ـ إن حدث ـ قد يشكل ضربة قوية لفرص استقرار السوريين على المدى الطويل، ولا سيما فيما يتعلق بالحصول على الإقامات الدائمة.
وتزداد أهمية هذه المخاوف في ظل توجهات مشابهة شهدتها دول أوروبية أخرى، حيث اتخذت بريطانيا إجراءات أدت إلى تعليق أو إبطاء البت في عدد من المعاملات المرتبطة بالسوريين، بما في ذلك بعض الملفات المتصلة بالإقامة والتجنيس، وفي حال طال هذا النهج باقي الدول الأوروبية، فقد يؤدي إلى تقليص فرص الانتقال من الحماية المؤقتة إلى الإقامة الدائمة، وبالتالي إبطاء أو الحد من مسارات الحصول على الجنسية في المستقبل.
ويرى مؤيدو هذه السياسات أن الحكومات الأوروبية مطالبة بإعادة النظر بشكل دوري في أسباب منح الحماية الانسانية، وأن استمرار الحماية يجب أن يرتبط باستمرار الأسباب التي أدت إلى منحها، كما يشيرون إلى أن الرأي العام في عدد من الدول الأوروبية أصبح أكثر حساسية تجاه قضايا الهجرة والاندماج والإنفاق الحكومي، ما يدفع الأحزاب السياسية إلى تبني مواقف أكثر تشدداً.
في المقابل، يحذر منتقدو هذه التوجهات من أن الأوضاع داخل سوريا ما زالت معقدة، وأن أي قرارات واسعة النطاق تتعلق بإعادة اللاجئين أو تقليص فرص الحصول على الإقامة الدائمة والجنسية يجب أن تستند إلى تقييمات قانونية وإنسانية دقيقة لكل حالة على حدة.
كما يرى الكثير من المتعاطفين أن العديد من السوريين أمضوا سنوات طويلة في أوروبا، وبنوا حياتهم المهنية والاجتماعية فيها، وأصبحوا جزءاً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي للدول المستضيف -في المجمل- وبالتالي اعادة هدم المعبد باجراءات ظالمة تخرج عن الاطار الحقوقي والانساني الذي طالما تشدقت به اوروبا، بيد ان هذه حيثيات لم تعد بكل صراحة تؤثر في مسار المشرع الاوروبي في البرلمانات الوطنية أو في البرلمان الاوروبي.
في المحصلة ما يجري اليوم في هولندا يمكن اعتباره جزءاً من مرحلة جديدة في سياسة اللجوء الأوروبية، تقوم على تشديد شروط البقاء والإقامة طويلة الأمد، وزيادة التركيز على إعادة المرفوضين، وربط استمرار الحماية بتقييمات دورية للظروف في البلدان الام، وإذا حصلت المقترحات والقوانين الجديدة على الموافقات النهائية المطلوبة، بما في ذلك موافقة مجلس الشيوخ الهولندي، فقد تشكل خطوة إضافية نحو تقليص فرص الحصول على إقامات أكثر استقراراً لبعض الفئات، مع توسيع قدرة السلطات على إعادة الأشخاص الذين لم تعد تنطبق عليهم شروط الحماية وفق التقييمات والتقديرات المعنيين في مؤسسات الدولة الهولندية.


