المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / أوروبا بعد 12 يونيو نهاية الاحلام 

أوروبا بعد 12 يونيو نهاية الاحلام 

أوروبا بعد 12 يونيو نهاية الاحلام 

يدخل الاتحاد الأوروبي بعد 12 يونيو مرحلة جديدة في إدارة ملف الهجرة واللجوء مع بدء تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي، وهو الإصلاح الأوسع الذي تشهده المنظومة الأوروبية منذ أزمة الهجرة الكبرى التي اجتاحت القارة عام 2015، ويعكس هذا التحول قناعة متزايدة لدى العواصم الأوروبية بأن السياسات السابقة لم تعد قادرة على التعامل مع الضغوط المتزايدة الناتجة عن تدفقات المهاجرين واللاجئين، وأن الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والأمني يتطلب قواعد أكثر تشدداً ووضوحاً.

وهذ، بالضرورة، مبررات تدفع أوروبا إلى ترسيخ قناعاتها بتجاوز العديد من قيم العدالة التي ظلت لعقود تسوّق لمضامينها، بل وتعاقب وتنتقد معارضيها، كما تجعلها تؤكد ضرورة ذلك من نواحي أمنية واجتماعية واقتصادية، تستلزم منها تجاوز بعض ضوابط حقوق الإنسان والقوانين الناظمة لعمليات الحماية الإنسانية التي طالما تفاخرت بها، وتدفعها، جبراً، نحو قواعد صارمة تُفرض بالقوة التنفيذية، وربما بالقوة المسلحة إن استدعى الأمر.

وانطلق الاتحاد الاوروبي في ذلك من مؤشرات قياسية على مدى أكثر من عقد، ظلت فيه أوروبا تتعامل مع ملف اللجوء وفق مقاربة تجمع بين الالتزامات الإنسانية وفتح أبواب الحماية الدولية أمام الفارين من الحروب والاضطهاد، إلا أن تزايد أعداد المهاجرين واللاجئين، وصعود الأحزاب اليمينية، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها العديد من الدول الأوروبية، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في فلسفة إدارة هذا الملف، ولم يعد النقاش يدور حول كيفية استقبال أكبر عدد ممكن من اللاجئين، بل حول كيفية تنظيم الهجرة وضبط الحدود وضمان ألا تتحول موجات اللجوء إلى أزمة دائمة تؤثر في مستقبل المجتمعات الأوروبية.

الميثاق الجديد يضع الحدود الخارجية للاتحاد في قلب سياسة الهجرة. فكل شخص يصل إلى أوروبا بطريقة غير نظامية سيخضع لإجراءات تدقيق أولية تشمل التحقق من الهوية والبيانات الأمنية والصحية قبل السماح له بالدخول إلى مسار طلب اللجوء، ويهدف هذا الإجراء إلى منع حالات الدخول غير المنضبط وتسريع فرز الوافدين بين من يملكون أسباباً قانونية للحماية ومن لا تنطبق عليهم شروط اللجوء.

ومن أبرز التغييرات أيضاً تسريع إجراءات البت في طلبات اللجوء، فقد واجهت العديد من الدول الأوروبية خلال السنوات الماضية تراكم مئات الآلاف من الملفات التي بقيت قيد الدراسة لفترات طويلة، ما خلق ضغوطاً كبيرة على أنظمة الاستقبال والخدمات العامة، وبموجب القواعد الجديدة ستصبح الإجراءات أسرع وأكثر حسماً، خاصة بالنسبة للأشخاص القادمين من دول تعتبرها السلطات الأوروبية آمنة أو الذين تبدو فرص حصولهم على الحماية الدولية محدودة.

كما يركز الميثاق على رفع كفاءة عمليات إعادة المهاجرين الذين تُرفض طلباتهم، فقد شكلت صعوبة تنفيذ قرارات الترحيل إحدى أبرز نقاط الضعف في السياسات الأوروبية السابقة، ولهذا تتجه بروكسل إلى تطوير آليات أكثر فاعلية لضمان عودة الأشخاص غير المؤهلين للبقاء داخل الاتحاد الأوروبي، مع دراسة إنشاء مراكز متخصصة لمعالجة ملفات الإعادة والتنسيق مع الدول الأصلية ودول العبور

وفي الوقت نفسه يسعى الاتحاد إلى إنهاء الخلافات المزمنة بين الدول الأعضاء بشأن تحمل أعباء اللجوء، فبدلاً من ترك دول الوصول الأولى مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا تتحمل العبء الأكبر، يفرض الميثاق نظام تضامن جديداً يقوم على إعادة توزيع جزء من طالبي اللجوء بين الدول الأعضاء أو تقديم مساهمات مالية وتشغيلية للدول الأكثر تأثراً، ويهدف هذا النظام إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة داخل الاتحاد ومنع تركز الضغوط في عدد محدود من الدول.

وتأتي هذه الإصلاحات في وقت شهدت فيه أوروبا خلال السنوات الأخيرة أعداداً كبيرة من طلبات اللجوء، حيث تصدرت ألمانيا قائمة الدول المستقبلة لطالبي اللجوء، تلتها فرنسا وإسبانيا، فيما واجهت إيطاليا واليونان ضغوطاً متزايدة بسبب موقعهما الجغرافي كنقطتي عبور رئيسيتين نحو القارة، وقد دفعت هذه الأوضاع الحكومات الأوروبية إلى الاقتناع بأن استمرار السياسات السابقة لم يعد خياراً عملياً في ظل التحولات الديموغرافية والسياسية الراهنة.

في جوهره، يمثل ميثاق الهجرة واللجوء محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين حق اللجوء وسيادة الدولة على حدودها، فالاتحاد الأوروبي لا يتخلى شكلياً عن مبدأ الحماية الدولية، لكنه يسعى إلى تقليص الهجرة غير النظامية وتشديد الرقابة على الحدود وتسريع إجراءات القبول أو الرفض.

الخلاصة أن أوروبا بعد 12 يونيو لن تكون كما كانت قبله، فالقارة تتجه نحو نموذج أكثر صرامة في إدارة الهجرة، يقوم على ضبط الحدود وتسريع القرارات وإعادة توزيع المسؤوليات بين الدول الأعضاء، وقد يرى البعض في هذه السياسات تراجعاً عن الصورة التقليدية لأوروبا كملاذ مفتوح للاجئين، بينما يعتبرها آخرون تصحيحاً ضرورياً لحماية الاستقرار الأوروبي والحفاظ على قدرة أنظمة اللجوء على الاستمرار.

ويقدم المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية مقاربة تؤكد أن الضرورات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية فرضت على الاتحاد الأوروبي اتخاذ هذه الإجراءات الجديدة في ملف الهجرة واللجوء، وترى هذه المقاربة أن الأرقام والمؤشرات المرتبطة بمستويات الاندماج، وارتفاع معدلات الجريمة في بعض البيئات، والتغيرات الديموغرافية التي شهدتها دول أوروبية عدة، أوجدت واقعاً جديداً دفع الحكومات الأوروبية إلى تبني سياسات أكثر صرامة في إدارة الهجرة وحماية الحدود.

وبحسب هذه الرؤية، فإن المواطن الأوروبي بات ينظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها حقاً سيادياً وسياسياً يهدف إلى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والأمني للدول الأوروبية، كما أن تنامي الضغوط على الخدمات العامة وأسواق العمل وأنظمة الرعاية الاجتماعية عزز القناعة بضرورة إعادة تنظيم آليات استقبال المهاجرين واللاجئين وفق معايير أكثر تشدداً ووضوحاً.

وفي المقابل، ورغم أحقية الكثير من المهاجرين واللاجئين في الحصول على الحماية الانسانية، فإن تراكم بعض مظاهر ضعف الاندماج وعدم المشاركة الفاعلة في المجتمع، إلى جانب بروز بعض السلوكيات السلبية التي قد لا تكون عامة أو جماعية لكنها تبقى ملحوظة في نظر الرأي العام، وفر مبرراً إضافياً لتشديد الإجراءات، ويرى أصحاب هذه المقاربة أن أوروبا وفرت على مدى سنوات طويلة مستويات عالية من الحماية والانفتاح والتسهيلات، إلا أن المرحلة الحالية تفرض إعادة النظر في آليات منح الحماية وتحديد المستحقين لها بصورة أكثر دقة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *