المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / أوكرانيا وإيران: إعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية أم توسيع ساحات الحرب؟

أوكرانيا وإيران: إعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية أم توسيع ساحات الحرب؟

أوكرانيا وإيران: إعادة تشكيل الجغرافيا الاستراتيجية أم توسيع ساحات الحرب؟

د.ابوبكر باذيب

لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على المواجهة المباشرة أو غير المباشرة في جغرافيا الخليج العربي وحدود شبه الجزيرة العربية، بل بدأت تشهد دخول أطراف دولية تمتلك حسابات استراتيجية تتجاوز حدود الإقليم، وترسخ أبعادًا لمجالٍ حيويٍّ يرتبط بجيوسياسات دولية متقاطعة، تتداخل فيها المصالح المشتركة مع تباين الواقع العسكري وحدود سردية النصر التي يمكن أن يحققها هذا الطرف أو ذاك.

ويأتي التحرك الأوكراني الأخير ضد أهداف مرتبطة بإيران في هذا السياق، باعتباره يحمل رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز قيمته العملياتية المباشرة، فكييف تدرك أن طهران ليست مجرد داعم لروسيا بل شريك عسكري ساهم في تعزيز القدرات الروسية عبر الطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية، الأمر الذي يجعل استهداف المصالح الإيرانية جزءًا من معادلة الردع الأوكرانية.

ومن هنا، فإن دخول أوكرانيا إلى هذا المسار عبر استهداف مصالح إيرانية أو سفن مرتبطة بإيران في بحر قزوين لا ينبغي قراءته باعتباره حدثًا تكتيكيًا محدودًا، وإنما بوصفه مؤشرًا على احتمالية انتقال الصراع إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها الجبهات وتتشابك فيها الحسابات الاستراتيجية بين أوروبا والشرق الأوسط. 

فالحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا لم تعد محصورة في الجبهة الأوكرانية بل امتدت إلى استهداف شبكات الدعم اللوجستي والعسكري التي ترى كييف أنها تسهم في تعزيز القدرات الروسية وفي مقدمتها إيران. وفي المقابل فإن أي اضطراب في بحر قزوين قد يفرض تحديات إضافية على المصالح الإيرانية في فضائها الحيوي ويؤثر في مسارات الإمداد والحركة داخل هذه المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية. 

كما أن هذا التطور يبعث برسالة ردع مفادها أن الضغوط على إيران واستهدافها لن تقتصر على مضيق هرمز أو مساحات الجغرافيا الايرانية بل قد تمتد إلى ساحات جغرافية أخرى كانت تُعد حتى وقت قريب بعيدة عن دائرة الاستهداف المباشر بما يعكس اتساع نطاق المنافسة الاستراتيجية وتعدد أدواتها.

ومن ناحية أخرى، فإن القيادة الأوكرانية على ما يبدو تسعى إلى توجيه رسالة لترامب والحلفاء الاوروبيين بأنها ليست مجرد دولة تتلقى الدعم وإنما أصبحت قادرة على الإسهام في تحقيق المصالح الغربية في ساحات أخرى وهو ما يعزز موقعها السياسي لدى الحلفاء.

وهو ما سعت أوكرانيا إلى تسويقه وتحقيقه خلال الأشهر الماضية، إذ تمثل أحد أبرز التحولات في هذه الحرب في نجاح الطائرات المسيّرة الأوكرانية منخفضة التكلفة في تنفيذ عمليات عسكرية معقدة لصالح دول الخليج في اعتراض المسيّرات الإيرانية أو التصدي لها.

وهذا على ما يبدو يسهم في استراتيجة إعادة ترتيب الجغرافيا الإيرانية، فالمتابع منذ سنوات يرى ان إيران بنت نفوذها على ما يمكن تسميته “الجغرافيا الممتدة”، أي شبكة من الممرات البحرية والاذرع الحليفة المنتشرة في أكثر من ساحة، إلا أن هذه الجغرافيا بدأت تتعرض لتغيرات متسارعة.

ففي الوقت الذي يمثّل فيه مضيق هرمز الورقة الأكثر تأثيرًا في الاستراتيجية الإيرانية باعتباره أحد أهم الممرات النفطية في العالم، فإن تصاعد الوجود العسكري الأمريكي والدولي وتوجهات لندن اليوم نحو تشكيل وبلورة قوة دولية لإعادة فكرة تأمين المضيق، إلى جانب تطوير القدرات الدفاعية الخليجية، وتعدد المسارات البديلة لتصدير النفط، وتأمين سلاسل الإمداد، قد قلّص من قدرة إيران على استخدام هذا المضيق كورقة ضغط استراتيجية.

وفي هذه السردية الاستراتيجية لا يمكن إغفال الأهمية الجيوسياسية لمضيق باب المندب بوصفه أحد أهم الممرات البحرية العالمية وأكثرها تأثيرًا في حركة التجارة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، كما لا يمكن تجاهل حجم النفوذ الإيراني في هذا الممر عبر مليشيات جماعة الحوثي التي تمثل إحدى أبرز أدوات طهران في ممارسة الضغط الخشن.

وفي ظل تزايد الضغوط التي تواجهها إيران في مضيق هرمز قد تنظر طهران إلى باب المندب باعتباره ورقة ضغط بديلة أو مكمّلة تستطيع من خلالها توسيع دائرة التهديد ورفع كلفة المواجهة على خصومها، غير أن هذه المعادلة أصبحت أكثر تعقيدًا، إذ إن أي محاولة لتحويل باب المندب إلى ساحة ابتزاز استراتيجي ستصطدم بحضور عسكري ودولي واسع يشمل الولايات المتحدة والدول الأوروبية والقوات البحرية متعددة الجنسيات، إلى جانب وجود قوات التحالف العربي بقيادة السعودية، والمؤشرات المتزايدة على رفع جاهزية القوات الحكومية اليمنية الشرعية.

كل ذلك يعطي مؤشرات غاية في الاهمية مفادها إن قدرة إيران أو جماعة الحوثي على الانفراد بهذا الممر الحيوي أو فرض معادلة أمر واقع عبر القوة المسلحة تبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى وهو ما يحد من هامش المناورة الإيرانية ويزيد في الوقت ذاته من الضغوط السياسية والعسكرية المفروضة على طهران في مختلف ساحات نفوذها الإقليمية.

كيف سقط المشروع الايراني؟

وفي تأطير المساحات الجيوسياسية التي عملت إيران على بنائها وتطويرها طوال العقود الماضية بهدف تأسيس عمق استراتيجي ونفوذ عسكري يتجاوز حدودها الوطنية عبر شبكة من الاذرع والمليشيات والوكلاء المسلحين، تبدو هذه المنظومة اليوم أمام مرحلة من التآكل التدريجي، فقد شكّل سقوط نظام الأسد خسارة استراتيجية لإيران، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا على مستوى الجغرافيا العسكرية التي كانت تمثل حلقة رئيسية في خطوط الإمداد والامتداد اللوجستي، وممرًا لتوزيع السلاح وتعزيز النفوذ الإقليمي. 

ولم تقتصر هذه التحولات على سوريا ففي لبنان يواجه حزب الله تحديات سياسية وعسكرية واقتصادية غير مسبوقة، بالتوازي مع تنامي المسارات التفاوضية بين الدولة اللبنانية والولايات المتحدة وإسرائيل بشأن ملفات الأمن والحدود، وهو ما يضيق هامش المناورة أمام إيران ويجعل استخدام الحزب كأداة إقليمية أكثر كلفة وتعقيدًا. 

أما في العراق، فعلى الرغم من استمرار النفوذ الإيراني فإنه لم يعد بالنفوذ المطلق الذي عرفته السنوات الماضية نتيجة الضغوط الأمريكية والتحديات الاقتصادية والأمنية، وسعي الحكومة العراقية إلى بناء سياسة خارجية أكثر توازنًا، تقلل من الارتهان لأي محور إقليمي، على الاقل في شكله الخارجي، بالرغم من صعوبة ذلك.

وتعكس هذه المتغيرات حقيقة استراتيجية أكثر عمقًا إذ إن إيران لا تواجه اليوم تراجعًا في نفوذ أذرعها المسلحة فحسب وإنما تخسر تدريجيًا المساحات الجغرافية التي كانت تشكل خط الدفاع الأول عن أمنها القومي وتمنحها القدرة على إدارة الصراعات بعيدًا عن أراضيها. 

تحالف غير معلن!

تشير جملة من المؤشرات إلى وجود تقاطع متزايد في المصالح بين امريكا وعدد من حلفائها الغربيين والإقليميين فيما يتعلق باحتواء النفوذ الإيراني حتى وإن لم يرقَ ذلك إلى مستوى تحالف رسمي معلن.

ويمكن أن نقرأ ذلك في ما أسفرت عنه نتائج الاجتماع الأخير لحلف الناتو في أنقرة، بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة دول حلف شمال الأطلسي، بالتزامن مع التوجهات البريطانية الرامية إلى تعزيز الحضور الأمني في منطقة الخليج وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وما قد يبدو عابرًا في الوقت الحالي، على الأقل، فإن دخول أوكرانيا على خط استهداف مصالح مرتبطة بإيران في بحر قزوين يعكس اتساع رقعة المواجهة وتحولها من صراع إقليمي إلى شبكة متداخلة من المصالح الأمنية والاستراتيجية. 

ولا يقتصر هذا التقاطع على الاعتبارات العسكرية بل يمتد إلى حماية أمن الطاقة العالمي وسلامة سلاسل الإمداد الدولية وهي ملفات باتت تمثل أولوية مشتركة للقوى الغربية، فاستقرار الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وباب المندب لم يعد قضية إقليمية فحسب وإنما أصبح جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، نظرًا لما يمكن أن يترتب على أي اضطراب فيها من انعكاسات على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة والاستقرار الاقتصادي الدولي.

وفي هذا السياق، يمكن الحديث عن نشوء ما يمكن وصفه بـ”تحالف غير معلن”، أو ما يعرف في الأدبيات السياسية بتقاطع المصالح الاستراتيجية، حيث تتحرك أطراف متعددة وفق أهداف متقاربة، وإن اختلفت دوافعها وآليات عملها. 

ففي مقابل حالة التقارب بين إيران وروسيا ومعهما الصين بدرجة أقل في بعض الملفات تتشكل في الجهة الأخرى مساحة واسعة من التنسيق بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية وأوكرانيا ودول الخليج بما يتيح تبادلًا للمعلومات الاستخباراتية وتنسيقًا سياسيًا وأمنيًا ودعمًا لوجستيًا يخدم هدفًا مشتركًا يتمثل في تقليص النفوذ الإيراني والحد من قدرته على التأثير في التوازنات الإقليمية، وإذا استمرت هذه الاتجاهات فمن المرجح أن تتقلص الخيارات السياسية والعسكرية المتاحة أمام طهران.

ويدفعنا ذلك إلى بلورة ما يمكن تسويقه كسيناريوهات لما قد تشهده الأيام القادمة، حيث يتمثل السيناريو الأول في الاكتفاء بالتصعيد السياسي والإعلامي والدبلوماسي مع الحرص على تجنب فتح جبهات جديدة قد تستنزف القدرات الإيرانية وتوسع دائرة المواجهة. أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار نهج التصعيد الذي يقوده الحرس الثوري الإيراني عبر إدارة الصراع بأساليب غير مباشرة والاعتماد على أدواته الإقليمية بما يبقي المنطقة في حالة توتر مزمن ويؤجل فرص الوصول إلى تسويات سياسية رغم استمرار جهود الوساطة الإقليمية والدولية، وفي كلتا الحالتين، تبدو إيران أمام بيئة استراتيجية أكثر تعقيدًا تتسم بتزايد الضغوط الخارجية وتراجع هامش المناورة، مقارنة بما كان عليه الوضع خلال السنوات الماضية.

في المحصلة تكشف التطورات الأخيرة أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة منفصلة عن الازمات الدولية بل أصبح امتدادًا لها، فإيران وروسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة باتت تتحرك داخل مسرح استراتيجي واحد تتداخل فيه المصالح والتهديدات. 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *