لماذا يضغط الناس على زر المشاركة ؟
د. جمال محسن محمد حسين
سؤال يجيب عليه بحث قرأته قراءة قانونية متانية فقد أرسل لي أخي وصديقي الباحث والاعلامي محمد العارف رسالة الماجستير الخاصة به، التي حملت عنوانًا أثار فضولي منذ اللحظة الأولى:
لماذا يضغط الناس على زر “المشاركة”؟ دراسة شاملة للعوامل المحركة لمشاركة المعلومات عبر الإنترنت ودور الذكاء الاصطناعي
في البداية، وكعادتي في الفترة الأخيرة أرسلت البحث إلى الذكاء الصناعي طالبًا ملخصًا سريعًا، وهي عادة أعترف بأنها عادة سيئة اتبعتها عند انشغالي في قراءة الكتب والأبحاث الطويلة.
لكن الملخص زادني شغفا وفضولا لقراءة البحث فقد اثارتني النتائج واردت ان اعرف كيف توصل لهذه النتائج فقد ارتكز البحث على نقرة المشاركة تلك التي نضغط عليها عشرات المرات يوميا هي ضغطة بسيطة ولكنها تنقل المعلومة من شخص إلى عشرة من عشرة إلى مئات ثم ملايين وربما تكون معلومة خاطئة او ضارة أو مقصودة ومن الممكن ان يكون انسان كتبها وعمل علي نشرها لجان تعمل في الخفاء او تكون مولدة بانظمة الذكاء الصناعي وخلفها خوارزميات تجذب الانتباهة وتثير العاطفة .
وهكذا وجدت نفسي اقراء الرسالة قراءة الباحث القانوني الذي يبحث في بحث اعلامي وتكنولوجي عن اجابات عن اسئلة قديمة كانت قد شغلتني سنوات طويلة اثناء بحثي في مسئولية الدولة عن اجهزة الاعلام وحدود هذه المسؤلية .
قد استغرقت رسالة الدكتوراه الخاصة بي حول مسؤلية الدولة عن أجهزة الإعلام قرابة سبع سنوات من البحث. وخلال تلك الرحلة العلمية، ناقشت مع أستاذَي القانون العام بجامعة عين شمس، الأستاذ الدكتور علي عبدالعال، ثم الأستاذ الدكتور عمر حلمي ، عددًا من القضايا المرتبطة بحدود مسؤولية الدولة عن وسائل الإعلام المختلفة، وعن العلاقة المعقدة بين حرية الإعلام من جهة، والتزام الدولة بحماية المجتمع من الأضرار التي قد تنشأ عن الممارسة الإعلامية من جهة أخرى.
وكان من الأسئلة التي أثارت اهتمامنا، وإن كان في ذلك الوقت يبدو أبعد قليلًا عن الواقع الذي نعيشه اليوم إلى أي مدى تمتد مسؤولية الدولة عن البيئة الإعلامية الرقمية التي تنتج فيها المعلومات المضللة وتنتشر، في ظل الدور الذي تؤديه المنصات والخوارزميات في تشكيل الرأي العام؟
كنت قد تناولت في بحثي وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والرقمية، وناقشت دور الدولة ومسؤوليتها في تنظيم المجال الإعلامي، لكنني لم أتناول الذكاء الاصطناعي بالصورة التي أصبح يفرضها علينا اليوم.
فهي لا تقدم إجابة قانونية مباشرة عن ذلك السؤال، ولا تدّعي ذلك أصلًا، لكنها تفعل شيئًا ربما يكون أهم في هذه المرحلة: تضع أمام الباحث القانوني صورة أكثر وضوحًا للبيئة الإعلامية التي ينبغي أن يبحث فيها المسؤولية. والمسؤولية لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن طبيعة الفعل والوسيلة والبيئة والنتيجة.
رسالة من السوربون عن نقرة تبدو صغيرة
الرسالة التي أعدها محمد العارف مع الباحثتين مياس الزوبي و آمنة العيدروس لجامعة السوربون بالتعاون مع جامعة ابوظبي . وتشير النسخة التي اطلعت عليها إلى الإشراف والتوجيه الأكاديمي من Prof. Ivana Beveridge ، ومشاركة Dr. Hécate Vergopoulos و Dr. Sophie Corbillé ضمن الفريق الأكاديمي. وقد نوقشت الرسالة في يناير 2026، وحصلت على High Distinction .
وهذا التفصيل الأكاديمي مهم، ليس لمجرد التعريف بأصحاب البحث، وإنما لأن الموضوع نفسه يقع في منطقة تتقاطع فيها تخصصات متعددة: الإعلام والاتصال والإدارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وهو تقاطع أصبح من الصعب على الباحث الجاد أن يتجاهله.
اختار الباحثون دولة الإمارات العربية المتحدة ميدانًا لدراستهم، وهو اختيار قد برروا لعدد من الأسباب ذكروها
فالإمارات مجتمع شديد التنوع الثقافي، وتضم مئات الجنسيات، وتتميز بانتشار واسع للإنترنت واستخدام مرتفع جدًا لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب استثمارات كبيرة في الذكاء الاصطناعي، ومكانتها بوصفها مركزًا إعلاميًا إقليميًا، فضلًا عن وجود استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي.
هذه العناصر مجتمعة تجعل الإمارات بيئة غنية وتحقق أهداف الدراسة بالإجابة عن التساؤل كيف يتصرف الإنسان عندما تصله المعلومة في بيئة رقمية سريعة ومتعددة الثقافات، وتساعد الخوارزميات على تحديد ما يراه وما لا يراه؟
وقد تحدثوا عن مشاركة الأخبار الكاذبة وركز البحث لحظة المشاركة نفسها، ولم يعزلها عن الإنسان ومشاعره، وثقته، وهويته، وثقافته، والبيئة التقنية التي تحيط به.
ولهذا درست الرسالة العوامل النفسية والثقافية والتكنولوجية والعاطفية والاجتماعية، إضافة إلى الثقة والتحقق من المعلومات والوعي بالأخبار الكاذبة ودور الذكاء الاصطناعي. وقد صاغ الباحثون سؤالين رئيسيين وهما العوامل التي تؤثر في المشاركة،والسؤال الثاني بدور الذكاء الاصطناعي في هذه العملية.
ولعل من أكثر النتائج المهمة هو أن مشاركة المعلومات ليست فعلًا عقلانيًا فالإنسان لا يشارك دائمًا لأنه قرأ، وفحص، وقارن، ثم قرر.ولكنه يشارك لأنه فرح. أو غضب. أو شعر بالفخر. أو أراد أن يقول للآخرين: أنا أنتمي إلى هؤلاء، وقد تكون المعلومة التي يشاركها تعبيرًا عن هويته أكثر مما تكون تعبيرًا عن معرفته.
وهنا تلعب الثقافة والهوية دورًا بالغ الأهمية. فقد خلص البحث إلى أن المحتوى الذي يتوافق مع هوية الفرد وقيمه وانتمائه يمكن أن يكون أكثر جذبًا للمشاركة، لكن هذا الانتماء نفسه قد يؤدي أحيانًا إلى تقليل مستوى التدقيق النقدي في المعلومات التي تؤكد هوية الجماعة.
فالمشكلة ليست دائمًا أن الإنسان لا يعرف كيف يتحقق من المعلومة، قد يكون يعرف. وليست دائمًا أنه لا يهتم بالحقيقة قد يهتم بها فعلًا، لكن الحقيقة أحيانًا تدخل في منافسة مع الانتماء، ومع العاطفة، ومع الرغبة في أن نرى العالم بالطريقة التي نحب أن نراه بها.
وقد وضعت ارقام التحليل الاحصائي نتائج مثيرة لأسباب انتشار الأخبار الكاذبة فقد كان العامل الثقافي هو الاقوي ويليه العامل التكنولوجي ثم العامل النفس ويليه بفارق كبيرة العوامل العاطفية و الاقل كان عامل الوعي بالأخبار الكاذبة واكتشافها بالذكاء الاصطناعي
عندما انتقل الباحثون إلى التحليل الإحصائي، ظهرت نتيجة شديدة الأهمية.
في الإعلام التقليدي كان بإمكاننا أن نتصور العملية بصورة أكثر وضوحًا صحفي يكتب او مذيع يتحدث و قارئ يقرأ أو مشاهد يشاهد أو يسمع وتنتشر الأفكار وفق مدى قدرة الوسيلة على الوصول والانتشار فمقياس الجريدة أو الكتاب هو عدد النسخ و مقياس التلفاز بعدد المشاهدين ولكن اليوم المشهد مختلف فهناك من يعمل بخوارزميات على نشر المعلومة وهناك مؤشرات للتفاعل و اليات تظهر امامنا وأخرى مخفية تعمل على نشر المحتوى المشحون عاطفيا فنري من يروج للعنف أو الكراهية أو للعنصرية و ليس فقط بمعلومة كاذبة ولكن بانتاج سلسلة كاملة .
وهنا يظهر سؤال هل المستخدم يتحمل هو فقط المسئولية ؟
إذا كان تصميم المنصة يؤثر في السلوك، وإذا كانت الخوارزميات قادرة على تضخيم محتوى معين، وإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج معلومات شديدة الإقناع، فهل يمكن أن نختزل المشكلة كلها في الشخص الذي ضغط زر المشاركة ؟
واعود الي بحثي مسؤولية الدولة عن أجهزة الإعلام، كان السؤال يتمحور حول وسائل الإعلام، ومضمونها، وضوابطها، وعلاقة الدولة بها.
والذي أجده اليوم ناقص هو انه لابد من دراسة الخوارزميات والذكاء الصناعي لاحدد درجة تأثيره وهو ما افتقدته في بحثي السابق والذكاء الصناعي اليوم ليس مجرد اداة مساعده ولكنه يمكن ان يكتب و يصمم ويصنع فيديوهات وينتج محتوى شديد الإقناع فإن انتج معلومة مضللة على من تقع المسئولية وكيف يمكن أن تضع الدولة إطارا تنظيميا مناسبا اني اود في هذا المقال ان اشكر واهني صديقي محمد العارف وزملاءه علي هذا البحث القيم ولكني ايضا اود ان الومه لانه جعلني اخرج من حالة السكون والهدوء و الراحة الفكرية و ربما برسالته يدفعني للعودة إلى البحث العلمي للإجابة على العديد من التساؤلات التي تؤثر على حياتنا اليومية .




