المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / قراءة في زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا بين ذاكرة الماضي وحسابات المستقبل

قراءة في زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا بين ذاكرة الماضي وحسابات المستقبل

قراءة في زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا بين ذاكرة الماضي وحسابات المستقبل

د.جمال حسين

كتب ماكرون رسالة يشيد فيها بتاريخ دمشق وتنوعها الحضاري، قائلا: «سعيد بوجودي في هذا المكان الذي يختزل دمشق وقرونا طويلة من التاريخ والأديان والحضارات في هذا المسجد تتعانق المعابد الرومانية والكنائس المسيحية لتروي وحدة الشعب السوري وقوة تاريخه في السياسة، من خلال هذه الكلمات تظهر لنا  رسائل تتجاوز الكلمات التي تُلقى في المؤتمرات الصحفية وهي جزء من زيارة  الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق في بداية شهر يوليو 2026 وهي ليست مجرد عودة علاقات ثنائية بعد قطيعة ، وإنما تعتبر إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة في علاقة أوروبا بسوريا، وربما بداية مراجعة أوروبية أوسع لسياسة استمرت أكثر من خمسة عشر عامًا.

لم تكن باريس أول عاصمة غربية تعيد فتح قنواتها مع دمشق، لكنها كانت أول قوة أوروبية كبرى تقرر أن تنقل الحوار من الغرف المغلقة إلى العلن. وهذه الخطوة، في حد ذاتها، تحمل دلالات سياسية تتجاوز العلاقات الفرنسية السورية، لتطال مستقبل السياسة الأوروبية في الشرق الأوسط، وطبيعة التوازنات الجديدة التي بدأت تتشكل بعد سقوط النظام السابق ووصول القيادة السورية الجديدة إلى السلطة.

ولعل ما منح الزيارة هذا الزخم أنها جاءت في توقيت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم تدريجية لخريطة التحالفات، حيث لم تعد الأولوية هي إسقاط الأنظمة أو تغييرها، بقدر ما أصبحت استعادة الاستقرار ومنع انهيار الدول هدفًا مشتركًا لمعظم الفاعلين الإقليميين والدوليين.

يصعب فهم الحاضر دون العودة إلى الماضي. فالعلاقات السورية الفرنسية ليست وليدة العقود الأخيرة، بل تمتد جذورها إلى ما يزيد على قرن من الزمن. فمنذ الانتداب الفرنسي على سوريا عقب الحرب العالمية الأولى، تشكلت بين البلدين علاقة معقدة، اختلط فيها النفوذ السياسي بالتأثير الثقافي، كما امتزجت فيها ذاكرة الاحتلال بواقع التعاون.

ورغم أن السوريين خاضوا معركة طويلة لنيل الاستقلال، فإن اللغة الفرنسية بقيت حاضرة في الجامعات، والثقافة الفرنسية ظلت جزءًا من النخبة السورية، كما احتفظت باريس، حتى في أكثر المراحل توترًا، بحضور سياسي وثقافي لم تستطع قوى أوروبية أخرى أن تحققه.

ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة، ثم انتقال الحكم إلى بشار الأسد، شهدت العلاقات مراحل مد وجزر. فقد تعاون البلدان في ملفات إقليمية عدة، ثم دخلا في خلافات عميقة، خاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام 2005، قبل أن تصل العلاقة إلى أسوأ مراحلها مع اندلاع الثورة السورية عام 2011.

لكن حتى خلال سنوات الحرب، لم تُغلق باريس الباب بالكامل. صحيح أنها قطعت معظم أشكال التعاون الرسمي، إلا أن أجهزة الدولة الفرنسية حافظت على قنوات متابعة واتصال غير مباشرة مع أطراف سورية متعددة، انطلاقًا من إدراك قديم في الدبلوماسية الفرنسية مفاده أن الشرق الأوسط لا يُدار بالشعارات وحدها، وأن الأبواب التي تُغلق سياسيًا قد تضطر أجهزة الدولة إلى فتحها أمنيًا أو إنسانيًا.

السؤال الذي طرحه كثير من المراقبين بعد الزيارة لم يكن: لماذا زار ماكرون دمشق؟ بل لماذا الآن؟

خلال السنوات الأخيرة، أعادت فرنسا تقييم عدد كبير من ملفات الشرق الأوسط. فالأولويات التي حكمت السياسة الخارجية الأوروبية بعد عام 2011 تغيرت بصورة ملحوظة. مكافحة الإرهاب، وأمن المتوسط، والهجرة غير النظامية، وأمن الطاقة، أصبحت تتقدم تدريجيًا على الخطابات الأيديولوجية التي طبعت السنوات الأولى من الأزمة السورية.

في الوقت نفسه، أدركت باريس أن استمرار القطيعة مع دمشق لم يعد يمنحها أي نفوذ حقيقي داخل سوريا، بينما كانت قوى أخرى، إقليمية ودولية، تعزز مواقعها السياسية والاقتصادية.

السياسة الخارجية الفرنسية، بطبيعتها، لا تميل إلى ترك الفراغات. فعندما تغيب فرنسا عن منطقة ما، تدرك أن قوى أخرى ستملأ ذلك الفراغ سريعًا، وهو ما حدث بالفعل خلال السنوات الماضية.

ومن هنا بدأت مراجعة هادئة، استندت إلى فكرة بسيطة: إذا كانت سوريا تدخل مرحلة سياسية جديدة، فمن الأفضل أن تكون فرنسا جزءًا منها، لا مجرد مراقب من الخارج.

النظام السوري الجديد بين الحذر والبراغماتية

لم يكن التغيير الذي شهدته سوريا كافيًا وحده لإقناع باريس، لكنه أوجد فرصة لإعادة اختبار العلاقة، القيادة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، قدمت نفسها منذ البداية بوصفها سلطة تسعى إلى بناء مؤسسات الدولة، واستعادة العلاقات العربية والدولية، وجذب الاستثمارات، وإعادة الإعمار

في الدبلوماسية الفرنسية، هناك قاعدة غير مكتوبة تقول إن الاعتراف الكامل لا يسبق التجربة، بل يأتي بعدها. ولذلك فإن باريس لا تمنح ثقتها دفعة واحدة، وإنما تمنح فرصًا متدرجة، تُبنى على الأداء والالتزام.

ولهذا جاءت زيارة ماكرون محملة برسائل مزدوجة؛ فهي من جهة تعترف بأن دمشق أصبحت شريكًا لا يمكن تجاهله، لكنها، من جهة أخرى، تترك الباب مفتوحًا أمام تقييم مستمر لمسار السلطة الجديدة.

قد تبدو لغة المبادئ حاضرة في الخطاب الرسمي، لكن السياسة الخارجية الفرنسية، مثل غيرها، تُبنى في النهاية على المصالح، فسوريا اليوم تمثل بالنسبة لفرنسا أكثر من ملف سياسي.

هناك ملف إعادة الإعمار، الذي تُقدَّر تكلفته بمئات المليارات من الدولارات، وهو مشروع ترى فيه الشركات الفرنسية فرصة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.

وهناك قطاع الطاقة، الذي ما زال يحتاج إلى استثمارات ضخمة، إضافة إلى مشاريع الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والموانئ والسكك الحديدية.

كما تنظر باريس إلى سوريا باعتبارها حلقة أساسية في أمن شرق المتوسط، وهو ملف يرتبط مباشرة بالأمن الأوروبي، سواء من زاوية الطاقة أو من زاوية مكافحة شبكات التهريب والهجرة غير النظامية.

ولا يقل الملف الأمني أهمية عن الاقتصاد. ففرنسا، التي تعرضت خلال العقد الماضي لسلسلة من الهجمات الإرهابية، ما زالت تنظر إلى التعاون الاستخباراتي في الشرق الأوسط باعتباره أحد أهم أدوات حماية أمنها الداخلي.

ولهذا فإن إعادة بناء العلاقة مع دمشق لا تُقرأ في باريس باعتبارها انفتاحًا دبلوماسيًا فحسب، بل كاستثمار طويل الأجل في الأمن والاقتصاد معًا.

العامل الخليجي شريك غير مباشر في إعادة فتح الأبواب

لكن قراءة التحرك الفرنسي بمعزل عن التحولات العربية ستكون قراءة ناقصة. فخلال العامين الأخيرين، برز توجه خليجي متزايد يقوم على دعم استقرار الدولة السورية وإعادة دمجها تدريجيًا في محيطها العربي، انطلاقًا من قناعة بأن استمرار عزلة سوريا لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمات الأمنية والاقتصادية، وإنتاج موجات جديدة من الهجرة والتطرف، وهي نتائج لا تخدم أحدًا.

صحيح أن العواصم الخليجية لا تتحرك جميعها بالوتيرة نفسها، ولكل منها أولوياتها وحساباتها، إلا أن القاسم المشترك بينها بات واضحًا: استقرار سوريا أصبح مصلحة عربية، وليس مجرد شأن سوري داخلي. ومن هنا بدأت تتشكل بيئة إقليمية أكثر تقبلًا لفكرة إعادة الانفتاح على دمشق، الأمر الذي منح الدول الأوروبية، وفي مقدمتها فرنسا، هامشًا سياسيًا أوسع للتحرك دون أن تبدو وكأنها تغرد خارج السياق الإقليمي.

وأدركت باريس أن أي مشروع طويل الأمد داخل سوريا، سواء في إعادة الإعمار أو الاستثمار أو التعاون الأمني، لن ينجح من دون بيئة عربية داعمة، وأن الدول الخليجية ستكون لاعبًا رئيسيًا في تمويل مشاريع إعادة البناء وإنعاش الاقتصاد السوري. ومن ثم، فإن الانفتاح الفرنسي لم يكن موجهًا إلى دمشق وحدها، بل كان يحمل أيضًا رسالة إلى العواصم العربية مفادها أن فرنسا ترغب في أن تكون شريكًا في المرحلة المقبلة، لا مراقبًا من بعيد.

وفي المقابل، بدت القيادة السورية الجديدة مدركة لأهمية هذا المناخ العربي. فكل انفتاح خليجي كان يُترجم، بصورة أو بأخرى، إلى رصيد سياسي إضافي لدى الشركاء الأوروبيين. ولذلك جاءت الزيارة الفرنسية في أجواء من الثقة الحذرة، وكأنها تعلن أن سوريا لم تعد تتحرك منفردة، بل ضمن شبكة علاقات إقليمية آخذة في الاتساع

من أكثر الأسئلة التي عادت إلى الواجهة بعد زيارة الرئيس الفرنسي: كيف استطاعت باريس الانتقال بهذه السرعة إلى مرحلة الحوار مع القيادة السورية الجديدة؟ وهل بدأت العلاقة من الصفر بعد سقوط النظام السابق؟

وفق ما يمكن استخلاصه من مسار السياسة الفرنسية، هي أن الدول الكبرى نادرًا ما تبدأ من الصفر. فالسياسة الخارجية الفرنسية تقوم منذ عقود على مبدأ الحفاظ على قنوات معرفة واتصال مع مختلف الفاعلين المؤثرين، حتى في أشد مراحل القطيعة السياسية.

لقد دعمت فرنسا، منذ السنوات الأولى للثورة السورية، قوى من المعارضة السياسية والمدنية، وأقامت علاقات وثيقة مع عدد من الشخصيات التي برزت داخل الائتلافات السياسية وهيئات التفاوض، كما تابعت عن قرب تطور موازين القوى على الأرض. وفي الوقت نفسه، كان الهاجس الأمني حاضرًا بقوة، خصوصًا مع صعود تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة، وهو ما فرض تعاونًا استخباراتيًا مع أطراف متعددة داخل الملف السوري، في إطار مكافحة الإرهاب وحماية الأمن الأوروبي.

أما فيما يتعلق بالرئيس أحمد الشرع، فلا توجد معلومات رسمية منشورة تؤكد وجود تعاون مباشر بينه وبين المؤسسات الفرنسية خلال سنوات الثورة. إلا أن صعوده لاحقًا إلى قمة السلطة جعل من الطبيعي أن تتحول المعرفة السابقة بمسار القوى المعارضة إلى قاعدة تساعد على بناء قنوات اتصال أسرع مما كان يتوقعه كثيرون. وفي الدبلوماسية، كثيرًا ما تُبنى الثقة على المعرفة المتراكمة أكثر مما تُبنى على اللقاءات الأولى.

دلالات الاستقبال و رسالة النظام السوري الجديد

حرص الجانب السوري على أن يكون الاستقبال رسميًا كاملًا، يحمل كل رموز الدولة، في رسالة واضحة مفادها أن سوريا تريد أن تُعامل بوصفها دولة استعادت مؤسساتها، لا بوصفها ساحة أزمة أو ملفًا إنسانيًا.

أما الرئيس ماكرون، فقد بدا حريصًا على أن يتجاوز حدود اللقاءات المغلقة. فاختيار بعض المواقع التي زارها لم يكن مجرد برنامج بروتوكولي، بل رسالة متعددة الاتجاهات. فزيارة مواقع تاريخية وثقافية تعني أن فرنسا تريد إعادة إحياء دورها الثقافي التقليدي في سوريا، بينما تعني اللقاءات الاقتصادية أن باريس جاءت وهي تحمل معها رؤية تتجاوز السياسة إلى الاستثمار وإعادة الإعمار.

وفي المقابل، أرادت دمشق أن تُظهر للرئيس الفرنسي صورة مختلفة عن تلك التي رسختها سنوات الحرب؛ مدينة تنبض بالحياة، ومؤسسات تعود تدريجيًا إلى العمل، ودولة تسعى إلى مخاطبة العالم بلغة المستقبل لا بلغة الحرب.

ولعل اللافت في لغة الجسد بين الرئيسين أنها اتسمت بقدر كبير من الهدوء. فلم تظهر المبالغة المعتادة في مثل هذه الزيارات، ولم يكن هناك استعراض سياسي، بل بدا الطرفان وكأنهما يدركان أن ما بينهما لا يزال يحتاج إلى البناء، وأن الثقة تُكتسب بالتراكم لا بالمصافحات.

رغم أن البيانات الرسمية ركزت على التعاون الاقتصادي والسياسي، فإن كثيرًا من المراقبين يرون أن ملف اللاجئين كان أحد أهم الملفات التي حضرت خلف الأبواب المغلقة.

فرنسا، شأنها شأن معظم الدول الأوروبية، تدرك أن استمرار بقاء ملايين السوريين خارج وطنهم لا يمكن أن يكون وضعًا دائمًا، ليس فقط بسبب الأعباء الاقتصادية، بل أيضًا بسبب التحولات السياسية داخل أوروبا، حيث أصبح ملف الهجرة أحد أهم أسباب صعود الأحزاب اليمينية.

أما دمشق، فهي تنظر إلى عودة اللاجئين من زاوية مختلفة. فإعادة ملايين السوريين تعني استعادة جزء من القوة البشرية التي تحتاجها عملية إعادة الإعمار، كما تمنح القيادة الجديدة شرعية إضافية أمام الداخل والخارج، إذا ما اقترنت بعودة آمنة وطوعية تضمن الحقوق الأساسية للعائدين.

ومع ذلك، فإن الطريق لا يزال طويلًا. فعودة اللاجئين لا تعتمد على الاتفاقات السياسية وحدها، بل ترتبط بقدرة الدولة السورية على توفير الأمن وفرص العمل والخدمات العامة، إضافة إلى بناء منظومة قانونية تمنح العائدين الثقة بأن المستقبل سيكون مختلفًا عن الماضي.

ومن المرجح أن تتجه أوروبا خلال السنوات المقبلة إلى ربط أي برامج واسعة لعودة اللاجئين بحزم اقتصادية واستثمارية مخصصة لإعادة تأهيل المناطق التي سيعودون إليها، بحيث تصبح العودة جزءًا من مشروع تنموي متكامل، لا مجرد عملية نقل سكاني.

وإذا كانت شخصية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد اتسمت منذ وصوله إلى الإليزيه بالنزعة إلى لعب دور الوسيط الدولي وصانع المبادرات، فإن زيارته إلى دمشق تعكس استمرار هذا النمط. فهو يفضل الدخول إلى الملفات المعقدة بدل الاكتفاء بمراقبتها، حتى عندما تكون نتائج التحرك غير مضمونة.

أما الرئيس أحمد الشرع، فقد بدا خلال الزيارة حريصًا على تقديم نفسه بصورة رجل الدولة أكثر من صورة قائد المرحلة الانتقالية. فقد ركز على لغة المؤسسات، وأعطى الأولوية للحديث عن الاقتصاد وإعادة البناء والانفتاح الخارجي، وهي رسائل تستهدف الداخل السوري بقدر ما تستهدف العواصم الغربية.

ومن الناحية النفسية، كان واضحًا أن الطرفين يحاولان تجنب استحضار الماضي قدر الإمكان. فباريس لا ترغب في أن تبقى أسيرة خلافات السنوات السابقة، ودمشق تدرك أن العودة إلى المجتمع الدولي لن تتحقق إذا ظلت تتعامل مع شركائها بعقلية الصراع المستمر.

نتائج الزيارة

إعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى أعلى، وتوقيع تفاهمات في مجالات الاقتصاد والتعليم والثقافة، وفتح الباب أمام مشاركة الشركات الفرنسية في مشاريع إعادة الإعمار، وتعزيز التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة هذا ما تم الاعلان عليه.

لكن النتائج غير المعلنة ربما كانت أكثر أهمية،  ففرنسا استعادت لنفسها موطئ قدم داخل الملف السوري، بعد سنوات تراجع فيها نفوذها أمام قوى أخرى. كما بعثت برسالة إلى شركائها الأوروبيين مفادها أن مرحلة المقاطعة المطلقة تقترب من نهايتها، وأن السياسة الأوروبية تجاه دمشق قد تكون مقبلة على مراجعات أوسع.

أما سوريا، فقد حصلت على اعتراف سياسي بالغ الأهمية من إحدى أكبر القوى الأوروبية. وهذا الاعتراف لا يقتصر على البعد البروتوكولي، بل يحمل قيمة اقتصادية واستثمارية كبيرة، لأنه يمنح رسائل طمأنة للمستثمرين والشركات والمؤسسات المالية الدولية.

ان كان من المبكر اعتبار زيارة الرئيس الفرنسي نقطة تحول نهائية في العلاقات الأوروبية السورية، لكنها بلا شك تمثل بداية مرحلة مختلفة.

لقد انتقلت باريس من سياسة الانتظار إلى سياسة الانخراط المشروط، بينما انتقلت دمشق من مرحلة البحث عن الاعتراف إلى مرحلة البحث عن الشراكات.

ويبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرة الطرفين على ترجمة النوايا السياسية إلى خطوات عملية. ففرنسا ستراقب أداء الدولة السورية الجديدة في ملفات الأمن، والإصلاح المؤسسي، وتهيئة البيئة المناسبة للاستثمار. وسوريا، في المقابل، ستنتظر من باريس أن تتحول من شريك سياسي إلى شريك اقتصادي قادر على المساهمة في إعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب.

في النهاية، لم تكن زيارة إيمانويل ماكرون إلى دمشق مجرد حدث دبلوماسي عابر، بل كانت إعلانًا هادئًا عن نهاية مرحلة كاملة وبداية مرحلة أخرى. مرحلة لم تعد تُقاس فيها العلاقات الدولية بشعارات القطيعة أو المصالحة، بل بميزان المصالح المتبادلة، وحسابات الاستقرار، وقدرة الدول على التكيف مع واقع إقليمي يتغير بسرعة تفوق أحيانًا قدرة السياسة على اللحاق به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *