المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / اليمن في عقل الآلة الهولندية! خرائط ورقية وأرواح معلقة بين تهديد الترحيل وانفجار الواقع

اليمن في عقل الآلة الهولندية! خرائط ورقية وأرواح معلقة بين تهديد الترحيل وانفجار الواقع

اليمن في عقل الآلة الهولندية! خرائط ورقية وأرواح معلقة بين تهديد الترحيل وانفجار الواقع

 

نشرت المادة ضمن التقرير السنوي الأول للمركز الأوروبي لقياس الرأي.

 عبدالله علي

رئيس تحرير موقع هولندا عربية

التقرير بصيغة pdf

عندما تطأ قدم يمني أرض هولندا، يكون قد قطع رحلة هروب مركبة من جحيم الحرب إلى غرفة انتظار المجهول. لكن ما لا يعرفه كثيرون أن رحلته لم تنته عند حدود هولندا، بل بدأت رحلة أكثر تعقيداً داخل متاهة بيروقراطية تحمل اسم وزارة اللجوء والهجرة الهولندية وعبر ذراعها التنفيذي (IND).

هذه الوزارة، التي من المفترض أن تكون بوابة الأمان للهاربين من أهوال الحروب، تحولت في حالات كثيرة إلى بوابة أخرى من أبواب المعاناة بدافع سياسي بحت. وثيقة واحدة تصدر عن هذه الوزارة، تُعرف باسم “تقرير تقييم الوضع في بلد المنشأ”، كفيلة بأن تحول حياة يمني بكاملها إلى سؤال معلق بين قبول ورفض، بين بقاء وترحيل.

التناقض الصارخ يكمن في أن هذا التقرير، الذي يُفترض به أن يكون وثيقة موضوعية وعلمية، يبدو في تطبيقه العملي وكأنه كيان منفصل عن الواقع المتقلب على الأرض. فهو يقدم صورة مجمدة لليمن في لحظة زمنية محددة، بينما اليمن الحقيقي يتغير ويتحول ويتشظى يومياً. الأكثر إشكالية أن هذا التقرير يحاول تقسيم اليمن، الذي تحول إلى فسيفساء معقدة من النزاعات المتداخلة، إلى مناطق ملونة على خريطة: حمراء للخطر الداهم، وبرتقالية للخطر المتوسط، وخضراء للمناطق “الآمنة” حيث يمكن، وفقاً للخبراء الهولنديين، عودة طالبي اللجوء إليها.

قبل أسابيع فقط من كتابة هذا المقال، وفي مطلع ديسمبر 2025 تحديداً، سقطت إحدى أهم فرضيات التقرير الهولندي سقوطاً مدوياً. فمحافظتا حضرموت والمهرة، اللتان تتصدران قائمة “المناطق الآمنة أو البدائل الآمنة” في الخريطة التخيلية التي يرسمها التقرير، تحولتا فجأة إلى ساحة مواجهة مسلحة مكشوفة. التقارير الإخبارية المتواترة من مصادر محلية وعالمية موثوقة، كشفت عن تحرك عسكري كبير لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعومة إماراتياً، نحو مناطق داخل هاتين المحافظتين.

الذريعة المعلنة كانت “تنظيم الوضع الأمني” و”طرد قوات المنطقة العسكرية الأولى” التابعة للجيش اليمني المفكك، والتي يسيطر عليها بشكل كبير عناصر موالية لحزب الإصلاح، الذراع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين. لكن ما حدث على الأرض كان أكثر تعقيداً من مجرد إعادة تنظيم أمني. فالتحرك قوبل بضربات تحذيرية من الطيران التابع للتحالف الذي تقوده السعودية، وصدحت البيانات الرسمية للتحالف بتهديدات واضحة تدخلت فيها القيادة السياسية عبر وزارة الخارجية السعودية والعسكرية العليا عبر وزارة الدفاع السعودية مباشرة.

هذا المشهد الدرامي لم يكن مفاجئاً لي ولا للمراقبين المطلعين على تعقيدات المشهد اليمني، لكنه كان بمثابة صفعة قوية لتقييم وزارة اللجوء والهجرة الهولندية التي تزعم أن بعض مناطق اليمن تشكل “بدائل آمنة” مستقرة. فما حدث في ديسمبر 2025 وحتى كتابة هذا المقال يؤكد حقيقة أساسية: أي منطقة في اليمن هي مجرد قطعة في رقعة شطرنج إقليمية كبرى. حضرموت الغنية بالنفط والغاز، والمهرة الاستراتيجية المطلة على بحر العرب، ليستا منطقتين يمنيتين فحسب، بل هما ورقتا ضغط في يد قوى إقليمية متصارعة.

التنافس الإقليمي على هاتين المحافظتين ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لصراع أعمق. فمن جهة، هناك المشروع الإماراتي الذي يسعى لتعزيز نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي كقوة مهيمنة في الجنوب، مع ما يعنيه ذلك من سيطرة على الموارد والموانئ. ومن جهة أخرى، هناك المصلحة السعودية الحذرة من أي كيان جنوبي قوي متماسك قد يشكل، من وجهة نظر الرياض، تهديداً محتملاً لاستقرار مناطقها الجنوبية. في خلفية هذه المعادلة، يظل المشروع الإيراني حاضرا، ممثلاً في دعم الحوثيين، مما يخلق حالة من التوتر الدائم تجعل من استقرار أي منطقة أمراً مؤقتاً وهشاً.

المعضلة الجوهرية في التقرير الهولندي تنبع من إصراره على التعامل مع اليمن عبر أدوات تحليل قديمة لم تعد مناسبة لواقع جديد ومعقد. فالتقرير يفترض أن اليمن لا يزال يمكن فهمه ضمن إطار “الدولة الفاشلة” التي يمكن تقسيمها إلى مناطق حسب مستوى العنف. لكن الحقيقة على الأرض تقول شيئاً مختلفاً تماماً: اليمن لم يعد دولة فاشلة فحسب، بل تحول إلى ما يمكن تسميته “دولة الأرخبيل”، حيث انقسمت السيادة وأدوات الحكم إلى جزر منعزلة من النفوذ، كل منها يحكمه تحالف هجين يجمع بين الميليشيات والقبائل والمصالح الخارجية.

إذا حاولت رسم خريطة للقوى المؤثرة في اليمن اليوم، فلن تكتفي بخريطة سياسية أو عسكرية تقليدية، بل ستحتاج إلى خريطة معقدة متعددة الطبقات أشبه بشبكة عنكبوتية من التحالفات المتقاطعة والمتنافسة. فالبحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب لم يكونوا يوماً حدوداً مائية فحسب، بل تحولوا إلى شرايين لنقل النفوذ والميليشيات والتمويل، حيث يتصارع خمسة لاعبين إقليميين رئيسيين السعودية، الإمارات، إيران، عُمان، وقطر ، كل منهم ينسج شبكة من الوكلاء المحليين على الأرض اليمنية، محولاً البلاد إلى لوحة شطرنج إقليمية معقدة.

فالسعودية، الحليف التقليدي للحكومة المعترف بها دولياً، وجدت نفسها تدير تحالفاً هشاً يضم قوى متناقضة المصالح. فهي من جهة تدعم “الشرعية” الرسمية، ومن جهة أخرى تتعامل مع فاعلين محليين مثل مجلس القيادة الرئاسي المنقسم و”درع الوطن” وقبائل في الشمال، في محاولة لخلق توازنات تقاوم التمدد الحوثي. لكن هذا الدعم السعودي ليس منسجماً، بل هو أشبه ببوصلة تحاول توجيه عدة سفن في عاصفة واحدة، مما يخلق حالة من التشتت والتنافس الداخلي حتى داخل المعسكر المدعوم سعودياً.

الإمارات العربية المتحدة، الشريك الأصغر في التحالف ظاهرياً، أثبتت أنها اللاعب الأكثر دقة وتركيزاً في هندسة المشهد الجنوبي. فاستراتيجيتها لا تقتصر على مواجهة الحوثيين، بل تمتد إلى بناء إمبراطورية نفوذ موازية في الجنوب والسواحل اليمنية. قلب هذه الاستراتيجية هو “المجلس الانتقالي الجنوبي”، المليشيا السياسية التي حولتها أبوظبي إلى ذراعها الطولى في عدن ولحج وأبين وشبوة وأخيراً في المهرة وحضرموت، مع مشروع واضح لفصل الجنوب أو على الأقل تحويله إلى كيان تابع.

ولكن الطموح الإماراتي لا يتوقف عند هذا الحد، فهي تمول أيضاً مليشيات مثل قوات “المقاومة الوطنية” بقيادة طارق صالح، ابن شقيق الرئيس السابق، والتي تقدم نفسها كواجهة عسكرية لـ”المؤتمر الشعبي العام” المنحل عملياً، في لعبة دقيقة لتوظيف الإرث السياسي لخدمة مصالح جديدة. هذه الشبكة الإماراتية لا تهدف فقط إلى مواجهة الحوثيين، بل إلى استبعاد خصم إيديولوجي آخر: حزب الإصلاح (الذراع اليمنية للإخوان المسلمين)، الذي تخشاه أبوظبي باعتباره تهديداً وجودياً لنموذج حكمها، والمدعوم من أنظمة تستغل الإسلام السياسي بشكل احترافي، وعلى رأس القائمة دولة قطر.

وهكذا، نجد أن الجنوب اليمني (أو كما يسميه أنصار الانتقالي “الجنوب العربي”) تحول إلى ساحة حرب بالوكالة داخل التحالف نفسه، حيث تتقاتل المليشيات الإماراتية مع القوى الموالية للإصلاح، بينما تحاول السعودية لعب دور الوسيط الخائف من سيطرة أي طرف بشكل مطلق.

أما إيران، فقد حولت دعمها للحوثيين من علاقة تمويل تقليدية إلى شراكة إستراتيجية عميقة أنتجت “الشيطان الأكبر” في المعادلة اليمنية – على حد تعبير خصومها. فميليشيات الحوثي لم تعد جماعة متمردة محلية، بل تحولت إلى جيش نظامي موازٍ يمتلك صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وأجهزة استخبارات، قادر على تهديد العمق السعودي وتعطيل الملاحة الدولية في البحر الأحمر. هذا التحول جعل من الحوثيين ليس مجرد وكيل إيراني، بل شريكاً إستراتيجياً يثقل كفة إيران في التفاوض الإقليمي والدولي.

الخطير في هذه المعادلة أن إيران استطاعت عبر الحوثيين اختراق العمق العربي بطريقة غير مسبوقة، محولة اليمن من دولة فقيرة في أقصى جنوب الجزيرة العربية إلى قنبلة موقوتة على حدود السعودية، تتفجر عندما تريد طهران زيادة الضغط في الملفات التفاوضية الأخرى.

في هذا المشهد المشحون، تبرز عُمان وقطر كنموذجين مختلفين للتأثير. فمسقط، بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها الدبلوماسي، تتبع استراتيجية الحياد الإيجابي، محولة المهرة إلى منطقة عازلة تتنفس فيها مصالحها بلطف. فبدلاً من إرسال الميليشيات، تدير عُمان نفوذها عبر شبكات قبلية وعلاقات شخصية واتفاقيات اقتصادية، مما يجعل منها لاعباً خفياً لكن مؤثراً في شرق اليمن.

أما قطر، فتعتمد على أدوات القوة الناعمة، مستخدمة وسائل إعلامها العالمية وشبكة علاقاتها مع الجماعات الإسلامية وقدرتها الدبلوماسية على لعب دور الوسيط أحياناً. هذان النموذجان، رغم اختلافهما عن النمط العسكري المباشر للسعودية والإمارات وإيران، يضيفان طبقات إضافية من التعقيد للمشهد، حيث تصبح الولاءات المحلية قابلة للشراء أو التوجيه عبر قنوات متعددة.

النتيجة الحتمية لهذا التداخل الإقليمي المعقد هي تحول اليمن إلى فوهة بركان دائمة الثوران. فالمدني العادي لا يعيش فقط تحت تهديد القنابل والصواريخ، بل تحت وطأة تشظي هويته الوطنية نفسها. ففي مدينة واحدة مثل تعز، قد تجد نقاط تفتيش تابعة لميليشيات متعددة: نقطة للحوثيين، وأخرى لقوات موالية للإصلاح (مقاومة للإمارات لكنها ضمن التحالف رسمياً)، وثالثة لبقايا الجيش النظامي أو المتبقي منه (مدعوم سعودياً)، وكل منها تفرض منطقها وأجندتها.

المواطن الذي يحتاج إلى عبور المدينة يتحول إلى مختبر متنقل للولاءات، حيث قد تكون لهجته أو قبيلته أو حتى شكل لحيته سبباً للاشتباه أو الابتزاز أو الاعتقال. وهكذا، لم يعد “الأمن” مفهوماً مرتبطاً بالجغرافيا بقدر ما هو مرتبط بالهوية والانتماء في لحظة زمنية معينة. هذا التشظي البنيوي هو ما تفشل التقارير البيروقراطية الدولية في استيعابه، حينما تحاول اختزال هذه الفوضى المنظمة إلى خريطة بسيطة بألوان محددة، بينما الواقع يقول إن اليمن أصبح أشبه بلوحة تجريدية معقدة، كل لون فيها يذوب في الآخر، وكل خط يتحول إلى دوامة من العنف والمعاناة.

بينما تتصارع القوى على الأرض في اليمن، يعيش من تمكن من الفرار إلى هولندا نوعاً آخر من المعاناة في مراكز الاستقبال الموزعة في مختلف المدن الهولندية. هذه المراكز، رغم نظافتها وترتيبها الظاهري، تتحول إلى ما يشبه “سجوناً ناعمة” لأولئك الذين حملوا معهم آلام الحرب وذكرياتها المرعبة.

اللاجئ اليمني الذي يصل إلى مركز استقبال في روتردام أو أوتريخت أو خرونينجن، يجد نفسه فجأة في حالة وجودية غريبة. لقد ترك وراءه دماراً وحرباً، لكنه لم يصل بعد إلى بر الأمان. هو معلق في فضاء زمني غريب: ماضٍ مؤلم لا يمكن نسيانه، وحاضر مجمد بانتظار قرار بيروقراطي، ومستقبل غائم لا يمكن التخطيط له. الانتظار لشهور، وأحياناً لسنوات، لقرار IND، هو شكل من أشكال التعذيب النفسي الممنهج الذي تخفيه مظاهر النظام والتنظيم.

يظهر الواقع المؤلم في “الكامبات” مراكز اللاجئين أن طالبي اللجوء اليمنيين يعانون من معدلات مرتفعة بشكل غير عادي من الاضطرابات النفسية. الاكتئاب الحاد، اضطراب ما بعد الصدمة، القلق المزمن، كلها أمراض شائعة في مجتمع اللاجئين اليمنيين. الطفل الذي شهد قصف منزله في صنعاء، يحمل معه ذكريات مرعبة تتفاقم مع الفراغ الروتيني لمراكز الانتظار. المرأة التي فقدت زوجها في الحرب، تجد نفسها وحيدة في مجتمع غريب، تحاول أن تقوي أولادها بينما هي نفسها في حاجة إلى دعم نفسي.

ثم يأتي اليوم المصيري. البريد الرسمي يصل من محامي اللاجئ، والقلوب ترتفع وتنخفض. ثم تأتي الصدمة: قرار الرفض. والسبب؟ التقرير الرسمي يقول إن طالب اللجوء يمكنه العودة إلى حضرموت أو المهرة، فهما منطقتان “آمنتان” حسب التقييم الهولندي.

هنا تكمن السخرية المرة في النظام البيروقراطي. فالشخص الذي فرّ من صنعاء لأنه كان ناشطاً سياسياً وتم تهديده بالقتل، أو الذي هرب من تعز بعد أن دمر القصف منزله وقتل أفراداً من عائلته، أو من يهرب من عدن من بطش مليشيا الانتقالي، أو من يخاف العودة لمأرب بسبب سجون الإصلاح السرية، يُطلب منه الآن العودة إلى منطقة لا يعرف فيها شارعاً واحداً، ولا يملك فيها صديقاً أو قريباً، ولا يفهم تحالفاتها القبلية المعقدة. العودة إلى حضرموت بالنسبة له ليست عودة إلى الوطن، بل هي نوع من النفي الداخلي، إرسال إلى غربة داخل حدود الوطن نفسه.

التقرير الهولندي يتجاهل عمداً أو عن غير قصد أن مفهوم “البديل الآمن الداخلي” في القانون الدولي للاجئين، كما فسرته محكمة العدل الأوروبية في سلسلة من الأحكام المهمة، يشترط توافر شروط صارمة. فهذا البديل يجب أن يكون آمناً ليس فقط من ناحية العنف العشوائي، بل أيضاً من ناحية توفير مستوى لائق من الحياة، وإمكانية الاندماج المعقول في المجتمع المحلي، وتوافر الحماية القانونية الفعالة. لا تستوفي أي منطقة في اليمن، بما في ذلك حضرموت والمهرة، هذه الشروط في ظل الانهيار الشامل للخدمات والاقتصاد والمؤسسات.

من المهم فهم قرارات وزارة اللجوء والهجرة الهولندية في سياق أوروبي أوسع. فالهجرة واللجوء أصبحتا من أكثر القضايا إثارة للجدل في السياسة الأوروبية، مع صعود تيارات سياسية شعبوية ترفع شعارات معادية للهجرة. في هذا المناخ، تمارس الحكومات الأوروبية، بما فيها الحكومة الهولندية المستقيلة، ضغوطاً متزايدة لتقليل أعداد طالبي اللجوء المقبولين.

غير أن المفارقة الصارخة في الحالة اليمنية تكمن في أن أعداد اليمنيين الذين يصلون إلى هولندا ضئيلة جداً مقارنة بجنسيات أخرى. فوفقاً للإحصائيات الرسمية الصادرة عن المركز الأوروبي للإحصاء (Eurostat)، لم يتجاوز عدد طالبي اللجوء اليمنيين في الانتظار 2460 لاجئاً، بينما تقبل هولندا عشرات الآلاف من طالبي اللجوء من جنسيات أخرى. هذا التناقض يثير تساؤلات مشروعة: هل الرفض المتزايد لليمنيين هو سياسة مبنية على تقييم موضوعي للوضع الأمني، أم هو رسالة سياسية موجهة داخلياً وخارجياً؟

بعض المحللين يرون أن تشديد سياسة اللجوء تجاه اليمنيين، رغم قلة أعدادهم، قد يكون جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إرسال رسالة رادعة لمناطق أخرى. الرسالة تقول: إذا كنا نرفض يمنيين فروا من حرب مدمرة، فمن المؤكد أننا سنرفض آخرين من مناطق تعتبر أقل خطورة. هذه السياسة، إذا صحت هذه القراءة، تجعل من اللاجئين اليمنيين ضحايا لحسابات سياسية بعيدة كل البعد عن معاناتهم الفعلية.

المأساة التي يعيشها اللاجئون اليمنيون في هولندا لا تعني أن الحل هو فتح الحدود دون ضوابط، ولا تعني أن على هولندا استقبال كل من يطلب اللجوء. لكنها تعني أن النظام الحالي يحتاج إلى إصلاح جذري يجعل منه نظاماً أكثر إنسانية وعدالة وفهماً للواقع المعقد.

أولاً، يجب إعادة النظر في منهجية إعداد تقارير تقييم الوضع في بلدان المنشأ. هذه التقارير يجب أن تكون ديناميكية، قابلة للتحديث السريع مع كل تطور مهم على الأرض، وليست وثائق جامدة تُعد مرة كل سنة أو سنتين. الأحداث الأخيرة في حضرموت والمهرة تثبت أن الواقع يتغير بسرعة تفوق قدرة التقارير البيروقراطية على اللحاق به.

ثانياً، يجب أن تتوسع هذه التقارير لتشمل أبعاداً إنسانية واجتماعية واقتصادية، وليس فقط أبعاداً أمنية ضيقة. فالأمن لا يعني فقط غياب القتال، بل يعني توافر إمكانية الحصول على عمل لائق، وتوافر الحماية القانونية، وحرية التنقل دون خوف من الابتزاز أو الاعتقال التعسفي.

ثالثاً، يجب أن تأخذ عملية تقييم طلبات اللجوء في الاعتبار الظروف الفردية لكل مقدم طلب، وليس فقط المنطقة الجغرافية التي قدم منها. فالشخص الذي تعرض للتهديد بسبب نشاط سياسي أو حقوقي، لا يمكن أن تكون العودة إلى أي منطقة في بلده آمناً عليه، حتى لو كانت تلك المنطقة خالية من القتال.

رابعاً، يجب تقليص فترات الانتظار في مراكز الاستقبال، وتوفير دعم نفسي واجتماعي حقيقي للمقيمين فيها. الانتظار لشهور أو سنوات لقرار إداري هو انتهاك للكرامة الإنسانية، ويجب أن يكون الحد الأقصى لهذه الفترات موضوعاً تحت إشراف قضائي مستقل.

في نهاية المطاف، قضية اللاجئين اليمنيين في هولندا هي قضية إنسانية قبل أن تكون قضية قانونية أو سياسية. فهي تتعلق بمصائر بشر فروا من حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ويبحثون عن ملاذ آمن في عالم يبدو أنه فقد جزءاً من إنسانيته.

التقرير الذي تصدره وزارة اللجوء والهجرة الهولندية استناداً إلى تقرير وزارة الخارجية الهولندية، بكل ما يحمله من أرقام وإحصاءات وتقسيمات جغرافية، لا يستطيع أن يلتقط جوهر المعاناة الإنسانية. لا يستطيع أن يترجم الخوف الذي يشعر به إنسان يختبئ من القصف، ولا الحزن الذي يعتصر قلب أم فقدت أبناءها، ولا اليأس الذي يكسر روح شاب حُرم من مستقبله.

الأحداث الأخيرة في حضرموت والمهرة جاءت لتذكرنا بحقيقة أساسية: اليمن كله منطقة خطرة، لأن اليمن كله أصبح ساحة لصراعات متعددة تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية. تقسيمه إلى مناطق في آمنة وغير آمنة هو محاولة يائسة لفرض نظام على فوضى، ولترتيب فوضى لا تقبل الترتيب.

على هولندا، كدولة تحترم حقوق الإنسان وتفخر بتاريخها الإنساني، أن تعيد النظر في سياساتها تجاه اللاجئين اليمنيين. عليها أن تدرك أن وراء كل قرار رفض هناك إنسان قد يكون مصيره الموت أو العذاب. عليها أن تتذكر أن القوانين واللوائح والإجراءات البيروقراطية يجب أن تخدم الإنسان، لا أن تتحول إلى أداة لقمع إنسانيته.

اليمنيون الذين يطرقون أبواب هولندا لم يأتوا طلباً للثراء أو للاستفادة من نظام الرفاهية الاجتماعي. جاءوا طلباً للبقاء على قيد الحياة، طلباً لحماية إنسانيتهم التي كادت أن تسحق تحت وطأة الحرب. استجابة هولندا لهذا النداء الإنساني ستحدد ليس فقط مصير هؤلاء الأشخاص، بل ستحدد أيضاً صورة هولندا كدولة في ضمير الإنسانية. ففي عالم تتصاعد فيه النزعات الانعزالية وكراهية الأجانب، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى لقيم التضامن الإنساني والرحمة والعدالة. هذه القيم هي التي جعلت من أوروبا ملاذاً للمضطهدين، وهي القيم التي يجب أن تستمر في إرشاد سياساتها اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *