قراءة قانونية وسياسية لأحدث حكم حول قضايا اللجوء
د. جمال حسين
تكمن أهمية الحكم الصادر في تاريخ ١٠ اغسطس ٢٠٢٦ ليس فقط في حداثته وانما ايضا لأنه يصدر من هيئة متعددة القضاة يظهر طريقة تعامل المحاكم الهولندية مع السياسة الجديدة ومعيار العنف العشوائي والظروف الانسانية والظروف الشخصية لطالب اللجوء.
قصة القضية:
المدعي في هذه القضية هو قاصر ولد في السعودية وأقام فيها لمدة طويلة وعاد لليمن هو وشقيقة وشقيقته ثم سافر مع أسرته من المملكة إلى فرنسا باستخدام تأشيرة فرنسية وتقدم اللجوء في هولندا بينما عاد والده وشقيقته للسعودية وبعد أكثر من عامين من الانتظار أصدرت ادارة الهجرة قرارها برفض طلب اللجوء ومن خلال قراءة الحكم يتضح لنا اثارته لعدد من النقاط الهامة هي:
أولا: أوضحت المحكمة أن ادارة الهجرة اعتمدت عند تطبيق المادة ٢٩ من قانون الأجانب على تقسيم العنف العشوائي إلى ثلاث درجات هي:
- مستوى استثنائي من العنف العشوائي وهو كان سائد حتي ٢٠٢١.
- مستوى أعلى نسبيًا من العنف العشوائي وهو السائد في مناطق محددة منذ عام ٢٠٢٢.
- مستوى أقل نسبيًا من العنف العشوائي موجود في عدد من المناطق منذ عام ٢٠٢٣.
وقد اشار الحكم بان اليمن كانت تخضع منذ عام ٢٠١٦ لأعلى مستويات العنف العشوائي ولكن الموقف تغير منذ صدور WBV 2024/9.
ان اليمن انتقل بصورة كاملة إلى الدرجة الوسطى مستوى أعلى نسبيا من العنف العشوائي دون تفرقة بين المناطق حتى جاء حكم القضاء الإداري الصادر 16 يوليو 2025:
أ) ضحايا الألغام الأرضية ومخلفات الحرب المتفجرة.
ب) المواجهات الأخيرة.
ج) ارتفاع نسبة النازحين نتيجة مباشرة للنزاع المسلح.
د) الظروف الإنسانية التي ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالنزاع المسلح.
وبناء عليه تم تقسيم مناطق اليمن بدرجات مختلفة من العنف العشوائي.
ثانيا: اين تقع صنعاء في مقياس العنف العشوائي: المدعي حاول إقناع المحكمة بأن الوضع في صنعاء لا يسمح بالاكتفاء بتصنيفها ضمن المستوى “الأعلى نسبيًا”، وأن الوقائع الأمنية والإنسانية تبرر مستوى أعلى من ذلك.
وقد قدمت ادارة الهجرة تقرير مفصل عن صنعاء خلال الفترة من مارس ٢٠٢٥ حتى يناير ٢٠٢٥ اشارت فيه الى المعارك بين الحوثيين والقبائل حول الضرائب للحوثيين وحوادث العنف والغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية وقد أيدت المحكمة ما ذهبت اليه ادارة الهجرة بأنه بالرغم من كل هذه الاحداث الى ان ذلك لا يعني أن كل شخص في صنعاء من الممكن أن يتعرض للخطر ذاته.
ثالثا: الوضع الانساني في اليمن عموما وصنعاء خصوصا.
أقرت المحكمة بان الوضع الانساني صعب وان المساعدات الإنسانية غير كافية، ولكنها مازالت تصل فوجود الفقر ونقص الخدمات لا يعني تلقائيا حرمان شامل.
رابعا: وجود منظمات حقوق الإنسان تعمل في اليمن
ومن منظور المحكمة، فإن استمرار هذه المنظمات في العمل يعني أن المساعدات الإنسانية وهنا يجب ان نقف طويلا أمام هذه العبارة فالمحكمة نظرت إلى وجود هذه المنظمات بمعزل عن الظروف السياسية فالمحكمة لم تقل إن عمل المنظمات الإنسانية في مناطق الحوثيين يتم بصورة مستقلة تمامًا عن سلطات الأمر الواقع، ولم تبحث في مدى قدرة هذه المنظمات على انتقاد الحوثيين أو مدى حرية عملها.
فكان يجب الاجابة على مدى استقلالها ومدى حريتها في الوصول لمستحقي المساعدات وهي إجابات يعرف معظم اليمنيين أن هذه المنظمات استمرارها في العمل في اليمن يخضع مدى خضوعها لسلطة الأمر الواقع وأن توزيعها للمساعدات وايصالها يخضع ايضا لحسابات سياسية وعسكرية فليس غريب ان تجد المساعدات الانسانية الغذائية المغلفة بأسماء هذه المنظمات موجودة ضمن العتاد العسكري في الجبهات، ليس هذا فقط، ولكن ايضا القيادات العسكرية والمدنية كما أشارت التقارير هم أكثر المستفيدين من المساعدات العينية
وهذه أسئلة مختلفة تمامًا عن مجرد وجود منظمة إنسانية في البلد.
القراءة ما بين السطور لماذا رفضت المحكمة طلب المدعي
من خلال قراءة الحكم يتضح لنا أن المحكمة لم تنظر فقط الى الوضع العام وإنما وضعت الظروف الشخصية للمدعي ضمنيا في بناء حكمها فقد اشارت الى انه ليس من الفئات الهشة التي تعد مصادر تجنيد الحوثيين ويعد خطر التجنيد عليها اعلي لأسباب اجتماعية واقتصادية.
كما ان المحكمة اشارت الي ان الوضع الاقتصادي للأسرة جيد وقد بنت ذلك على أن الأسرة مقيمة بالسعودية وتتنقل بين السعودية واليمن وذهبت الى فرنسا للسياحة وعاد بعض أفرادها للسعودية كما ان والدي المدعي درسا في كل من الفلبين والصين.
واعتبرت أن ذهاب المدعي للمدرسة وإقامته عند جده أنه دليل على امكانية الوصول إلى التعليم والرعاية والاحتياجات الاساسية بالاضافة الي وجود الاسرة في اليمن تعد تأكيد بان المدعي لديه شبكة اجتماعية يمكن الاعتماد عليها عند عودته.ولعل من أهم النقاط الذي اعتمدت فيه المحكمة في تقييمها استمرار تواصل المدعي بوالديه الموجودين بالسعودية وبناء عليه اعتبرت ان تنقلهم ممكن وهذه نقطة مهمة بنتها المحكمة وان كانت غير واقعية فهناك تحديات امنية وسياسية لمن يتنقل بين السعودية واليمن وليست تنقل سلس مثلما تصورت المحكمة.
هناك إشارة مهمة ضمن الحواشي حيث انها اشارات الى ان القواعد القانونية تتعلق دائمًا بالنص الذي كان ساريًا قبل 12 يونيو٢٠٢٦وهذه النقطة يجب ألا تُفهم بطريقة خاطئة.
فهي لا تعني أن الحكم صدر قبل هذا التاريخ. فالحكم صدر في ١٠ أغسطس ٢٠٢٦ لكن المحكمة أن طلب اللجوء قدم في فبراير ٢٠٢٣ وبالتالي فقد حددت صراحة انها لن تستند للقانون الجديد لان طالب اللجوء قدم طلبه قبل ٢٠٢٣ وهذا مؤشر لبعض الامور الاخرى الموجودة بالقانون.
الحكم في مضمونة ليس نهاية الطريق ولكن لازال باب الاستئناف مفتوح والذي يجب ألا يبني على ان اليمن خطر وأن صنعاء غير امنة ولكن يجب ان يبني علي الاجابة علي السؤال هل هذا الشخص معرض لخطر حقيقي ويجب عليه أن يرد علي تساؤلات المحكمة فيجب تقديم معلومات حديثة موثقة عن الاعتقالات والضحايا من المدنيين ونقاط التفتيش والقيود على الحركة والوضع الاقتصادي والمساعدات الانسانية وان يجيب على التساؤل هل يستطيع ان يصل بصورة فعالة وامنة ومستدامة للغذاء والتعليم والرعاية الصحية والمأوى
والأهم هو عدم الاكتفاء بإثبات وجود هذه المخاطر، وإنما بيان مدى انتشارها وتأثيرها على المدنيين.
النقطة الثانية هي توضيح ما معنى وجود مساعدات انسانية وهل هي قادرة للوصول للناس يجب توضيح القيود والرقابة التي تمارسها السلطات في اليمن سواء في مناطق الحوثيين أو الشرعية وكذلك مدي استقلال هذه المنظمات والتهديدات التي يتلقاها العاملون بتلك المنظمات وقدرتها على الوصول للسكان.النقطة الثالثة التي أظهرها الحكم ويجب إثارتها في الاستئناف ويجب على كل طالب لجوء قادم من اليمن ان يقدمها سواء خلال المقابلة أو عند الرد علي نية الرفض أو عند الطعن في قرار الهجرة انه يجب ان تكون ظروفه الشخصية موثقة بأكبر قدر ممكن فلم تعد درجات العنف العشوائي الموجودة باليمن كافية
فإن كانت المحكمة افترضت أن تنقل الطاعن ممكن بين السعودية واليمن وان وصوله للخدمات الدراسية والرعاية التي يرعاه جده موجودة فإن ذلك لا يعني بالضرورة استمرارها الى الان وايضا يجب توضيح ما يعتريها فلم تعد المدارس تقدم نفس الخدمات التعليمية المتعارف عليها بوجود مدرسة لا يعني تقديم تعليم خالي من فكر متطرف او خدمة تعليمية طبيعية .




