مضيق هرمز نموذج الدولة والقرصنة
د.جمال محسن
“تغيرت ملامح الخريطة العالمية حين مست المتغيرات أمن المضائق البحرية، وهي المناطق التي تُصنف كأكثر نقاط التماس سيولة وخطورة، ففي هذه الممرات الضيقة، تندمج الجغرافيا بالمصالح لتتحول إلى قرار سياسي وسلاحٍ رادع، ويظل مضيق هرمز هو الحلقة المركزية في هذه المعادلة؛ فهو ليس مجرد ممر للملاحة، بل هو التحدي الأكبر أمام القانون الدولي لإثبات قدرته على إخضاع منطق القوة لنفوذ القانون.”
منذ أن صاغ فقهاء القانون الدولي الاتفاقية الدولية لقانون البحار وخلال فترة المناقشات حتى اقرارها، حاول المجتمع الدولي أن يضع حدًا لهذه الفوضى الكامنة في الجغرافيا. لم تكن الاتفاقية مجرد نصوص جامدة، بل محاولة لصياغة عقد أخلاقي بين الدول: أن تبقى البحار مفتوحة، وأن تظل المضايق شرايين مشتركة لا تُغلق بقرار منفرد.
وقد جاءت المادة 38 من الاتفاقية واضحة في روحها قبل نصها، حين قررت أن “تتمتع جميع السفن والطائرات بحق المرور العابر، الذي لا يجوز تعطيله”، وهو مرور “يكون مستمرًا وسريعًا عبر المضيق”. لم تترك هذه العبارة مساحة واسعة للتأويل، فهي لا تمنح الدولة المشاطئة حق الإذن، بل تفرض عليها واجب السماح.
ويزداد الأمر وضوحًا حين نقرأ المادة 42، التي وضعت حدودًا دقيقة لسلطات الدول المطلة على المضيق، إذ أجازت لها وضع قوانين تنظيمية، لكنها قيدتها بشرط حاسم: “ألا يكون من شأن هذه القوانين أن تعرقل أو تعيق أو تمنع المرور العابر”، وكأن واضعي الاتفاقية كانوا يدركون أن الخطر لا يأتي دائمًا من الإغلاق الصريح، بل أحيانًا من التعطيل التدريجي المقنّع.
وفي موضع آخر، تؤكد المادة 44 التزامًا أكثر صرامة، إذ تنص على أن “لا تقوم الدول المشاطئة للمضايق بتعليق المرور العابر، وعليها أن تعلن بصورة مناسبة عن أي خطر يهدد الملاحة”. هنا يتحول الأمر من مجرد حق للسفن إلى التزام قانوني على عاتق الدولة.
ضمن هذا الإطار القانوني الصارم، تبدو الممارسات الأخيرة المنسوبة إلى إيران وكأنها خروج عن النص، لا مجرد اختلاف في التفسير. فإيران، التي وقّعت على الاتفاقية عام 1982 دون أن تُصادق عليها، تجد نفسها في منطقة رمادية قانونيًا، لكنها ليست خارج الإطار تمامًا، فالقانون الدولي لا يقوم فقط على الاتفاقيات، بل أيضًا على العرف، وحرية الملاحة في المضايق الدولية أصبحت من القواعد الراسخة التي تلتزم بها الدول، سواء صادقت أم لم تصادق.
من هنا، فإن التهديد بإغلاق المضيق، أو تعطيل الملاحة فيه، أو حتى فرض رسوم على السفن العابرة، لا يمكن قراءته كإجراء سيادي عادي. فالمادة 26 من الاتفاقية، وإن كانت تتعلق بالمرور البريء في البحر الإقليمي، تقدم مبدأ عامًا حين تنص على أنه “لا يجوز للدولة الساحلية أن تفرض على السفن الأجنبية أي رسوم لمجرد مرورها”. وإذا كان هذا هو الحكم في البحر الإقليمي، فمن باب أولى أن يكون أكثر تشددًا في المضايق الدولية، حيث لا يُعد المرور مجرد تساهل سيادي، بل حقًا دوليًا أصيلًا.
في هذا السياق، تبدو فكرة فرض رسوم على العبور في مضيق هرمز أقرب إلى تحويل ممر دولي إلى “بوابة سيادية؛، وهو ما يتعارض مع فلسفة قانون البحار بأكملها. فالمضيق، في نظر القانون، ليس ملكًا للدولة التي تطل عليه، بل مسؤولية مشتركة تلتزم بحمايتها.
أما الولايات المتحدة، التي كثيرًا ما تقدم نفسها كحارس لحرية الملاحة، فقد وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع هذه الممارسات. لكنها، في مفارقة لافتة، ليست طرفًا مصادقًا على الاتفاقية أيضًا، وإن كانت تتبنى أحكامها بوصفها قواعد عرفية.
التصعيد لم يقف عند حدود الاعتراض القانوني، بل امتد إلى تصريحات سياسية حادة من دونالد ترامب، الذي بدء عملياً بإغلاق المضيق من الجهة المقابلة. هنا تتعقد الصورة أكثر: فإذا كانت إيران تُتهم بانتهاك القانون، فإن الرد بالمثل لا يُعيد الأمور إلى نصابها، بل يضاعف من حجم الخرق.
القانون الدولي، في جوهره، لا يعترف بمنطق “الرد بالمخالفة”، لأن ذلك يحوّل القاعدة إلى استثناء دائم. وإذا أُغلق المضيق من طرفين متقابلين، فإن العالم كله يصبح رهينة لهذا الصراع، لا مجرد طرف فيه.
يبقى السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن اعتبار هذه الأفعال نوعًا من القرصنة؟
التعريف التقليدي للقرصنة، كما استقر في القانون الدولي، يربطها بأعمال العنف التي يرتكبها أفراد في أعالي البحار “لأغراض خاصة”. لكن حين تقوم دولة بتعطيل الملاحة أو فرض إتاوات، فإننا أمام حالة مختلفة، لا تنطبق عليها التعريفات الكلاسيكية، لكنها تقترب منها في الجوهر.
بعض الفقه القانوني الحديث بات يتحدث عن “قرصنة الدولة” أو “القرصنة المقنّعة”، ليس بوصفها توصيفًا قانونيًا دقيقًا، بل كإشارة إلى سلوك يستخدم السيطرة البحرية لتحقيق مكاسب غير مشروعة. وفي حالة مضيق هرمز، فإن فرض رسوم بالقوة، أو التهديد بإغلاق الممر، قد لا يكون قرصنة بالمعنى التقليدي، لكنه بلا شك يضعف الفارق بين القانون والفوضى.
في مواجهة هذه التطورات، تبرز أدوات النظام الدولي، وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة. يمكن لدول الخليج، بوصفها الأكثر تضررًا، أن تدفع باتجاه تدويل القضية، والمطالبة بقرارات تؤكد على حرية الملاحة.
مجلس الأمن، نظريًا، يمتلك أدوات أكثر حدة، تبدأ من الإدانة، ولا تنتهي عند فرض العقوبات أو حتى الإذن باستخدام القوة لحماية الملاحة. لكن الواقع السياسي، بما يحمله من توازنات ومصالح متشابكة، يجعل هذه الأدوات أقل فاعلية مما تبدو عليه على الورق.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
القانون واضح، والنصوص صريحة، لكن التنفيذ يظل رهينًا بالإرادة السياسية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمضيق هرمز وحده، بل بمستقبل النظام الدولي نفسه. فإذا سُمح بتحويل المضايق إلى أدوات ضغط، فإن العالم لن يخسر فقط ممرًا بحريًا، بل سيفقد إحدى أهم قواعد الاستقرار التي بُني عليها منذ عقود.


