كيف يمكن لميثاق اللجوء الأوروبي الجديد تغيير وجه أوروبا؟
قراءة قانونية وسياسية واجتماعية في تحولات ملف الهجرة واللجوء
د.جمال حسين
أكاديمي وقاضي يمني
إقرار ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد لم يكن استجابة تقنية لمشكلة إدارية تتعلق بتوزيع طالبي اللجوء بين الدول الأعضاء، بل جاء تتويجًا لتحول سياسي وفكري عميق عاشته أوروبا طوال العقد الأخير، فمنذ أزمة اللجوء الكبرى عام 2015 لم تعد الهجرة تُناقش داخل القارة باعتبارها قضية إنسانية أو تحديًا إداريًا فحسب، بل تحولت تدريجيًا إلى أحد أهم محددات السلوك الانتخابي وإلى الملف الذي تصعد وتسقط بسببه الحكومات، وتُعاد من خلاله صياغة التحالفات السياسية، وتُختبر عنده الحدود الفاصلة بين المبادئ التي قامت عليها أوروبا والضغوط التي يفرضها اللاعبين السياسيين.
الحروب الاهلية في اليمن وسوريا والسودان، وما تزامن معها من حروب في أفغانستان وأوكرانيا، والاضطرابات في منطقة الساحل الإفريقي، وضعت أوروبا أمام موجات متلاحقة من الهجرة واللجوء في الوقت نفسه كانت المجتمعات الأوروبية تعاني من أزمات اقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، ونقص المساكن، والضغوط على الخدمات الصحية والتعليمية وفي مثل هذه الظروف وجد الخطاب الشعبوي طريقه إلى الناخبين، وأن ليقدم إجابات بسيطة لقضايا شديدة التعقيد، وأن يحول المهاجر إلى عنوان لكل أزمة، حتى وإن كانت جذور تلك الأزمات أعمق بكثير.
ولعل أخطر ما حدث خلال السنوات الأخيرة لم يكن مجرد صعود الأحزاب اليمينية المتشددة، بل نجاحها في فرض أجندتها حتى على خصومها. فالكثير من أحزاب الوسط واليسار لم تعد تناقش اليمين في أصل القضية، وإنما بدأت تنافسه في مقدار التشدد الذي يمكن أن تبديه في ملفات الهجرة واللجوء. وهنا وقع التحول الحقيقي؛ إذ لم يعد السؤال المطروح داخل المؤسسات الأوروبية: كيف نحمي اللاجئ؟ وإنما أصبح: كيف نمنع وصوله أصلًا؟
بهذا المعنى، يمكن القول إن الميثاق الجديد لم يكن انتصارًا لتيار سياسي بعينه، بل كان انعكاسًا لتحول المزاج الأوروبي بأكمله، وإن بدرجات متفاوتة.
لماذا تغير الميثاق؟
عندما عبر أكثر من مليون لاجئ ومهاجر حدود الاتحاد الأوروبي عام 2015، بدا المشهد وكأنه اختبار أخلاقي للقارة التي لطالما رفعت شعارات حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. في تلك الأيام فتحت ألمانيا أبوابها لمئات الآلاف، وتحدثت المستشارة أنجيلا ميركل عن مسؤولية أخلاقية وإنسانية، بينما وقفت دول أخرى، خاصة في شرق أوروبا، موقفًا مغايرًا، معتبرة أن استقبال اللاجئين يهدد الهوية الوطنية والأمن الداخلي.
منذ ذلك التاريخ، لم تستطع أوروبا بناء سياسة موحدة للهجرة. بل على العكس، ازدادت الانقسامات بين دول الوصول الأولى، مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا ومالطا، التي كانت تتحمل العبء الأكبر، وبين دول أخرى رفضت استقبال اللاجئين أو المشاركة في تحمل المسؤولية.
ومع مرور الوقت، تحول هذا الخلاف إلى أزمة سياسية داخل الاتحاد نفسه. فكل موجة لجوء جديدة كانت تعيد إنتاج الانقسام ذاته، وتكشف عجز النظام الأوروبي القديم عن إدارة الأزمة.
النظام السابق، المستند أساسًا إلى اتفاقية دبلن، يقوم على مبدأ بسيط ظاهريًا، لكنه بالغ التعقيد عمليًا، وهو أن الدولة التي يدخل منها طالب اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي تتحمل مسؤولية دراسة طلبه. بدا هذا المبدأ منطقيًا عندما كان عدد الوافدين محدودًا، لكنه انهار تمامًا عندما أصبحت دول البحر المتوسط تستقبل مئات الآلاف بينما بقيت بقية الدول بمنأى نسبيًا عن الضغط.
ولذلك لم يكن الهدف الحقيقي من الميثاق الجديد مجرد تعديل بعض المواد القانونية، وإنما إعادة توزيع المسؤوليات داخل الاتحاد الأوروبي بطريقة تمنع تكرار أزمة 2015. قد يبدو للوهلة الأولى أن الميثاق الجديد هو نتاج مفاوضات قانونية معقدة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، لكن قراءة المشهد السياسي تكشف حقيقة مختلفة. فالعديد من الأحزاب اليمينية لم تكن تمتلك الأغلبية داخل البرلمان الأوروبي أو داخل الحكومات الوطنية، ومع ذلك نجحت في التأثير في مضمون السياسات الأوروبية بصورة غير مسبوقة.
لقد أدركت هذه الأحزاب أن الوصول إلى السلطة ليس الطريق الوحيد للتأثير. يكفي أن تغيّر اتجاه الرأي العام حتى تبدأ بقية الأحزاب في الاقتراب من خطابها خوفًا من خسارة الناخبين.
الأحزاب المحافظة والليبرالية، بل وحتى بعض أحزاب الوسط بدأت تتبنى لغة جديدة في الحديث عن الهجرة، أصبحت كلمات مثل “الردع”، و”حماية الحدود”، و”إعادة المهاجرين”، و”تقليص الجاذبية” جزءًا من الخطاب الرسمي الذي كان قبل سنوات قليلة من افكار اليمين المتشدد.
لقد انتصر اليمين هنا بطريقة مختلفة؛ إذ لم يفرض نفسه على الحكومات، بل فرض أفكاره عليها، وهذه إحدى أخطر التحولات النفسية في الحياة السياسية الأوروبية؛ فعندما ينجح تيار سياسي في جعل خصومه يتحدثون بلغته، فإنه يكون قد انتصر حتى قبل أن يفوز بالانتخابات.
الاختلاف بين الميثاق القديم وميثاق ٢٠٢٦ لا يقتصر على الإجراءات، وإنما يمتد إلى الفلسفة التي يقوم عليها النظام بأكمله،
النظام السابق كان التركيز منصبًا على تحديد الدولة المسؤولة عن دراسة طلب اللجوء، أما في النظام الجديد فأصبح الهدف الأساسي هو إدارة تدفقات الهجرة قبل وصولها إلى داخل أوروبا.
ولهذا السبب أُدخلت إجراءات الفحص المسبق على الحدود، بحيث يتم التحقق من هوية القادمين وإجراء تقييم أولي لطلبات اللجوء خلال فترة زمنية قصيرة، قبل السماح لهم بدخول الإجراءات الاعتيادية.
كما أُعطيت الدول الأعضاء صلاحيات أوسع في تسريع البت في الطلبات التي ترى أنها ضعيفة أو مقدمة من أشخاص قادمين من دول تُصنف على أنها “آمنة”، وفي المقابل تم تطوير نظام التضامن بين الدول الأعضاء.
فلم يعد يعني بالضرورة استقبال اللاجئين، وإنما أصبح بإمكان الدولة أن تختار بين استقبال عدد منهم، أو تقديم مساهمات مالية، أو توفير دعم لوجستي وتشغيلي للدول التي تتحمل العبء الأكبر.
ومن الناحية السياسية، كان هذا الحل هو الثمن الذي تم دفعه لإقناع الدول الرافضة للاستقبال بالموافقة على الميثاق، أما من الناحية القانونية، فقد فتح هذا النظام بابًا واسعًا للنقاش حول ما إذا كانت المسؤولية الإنسانية يمكن أن تتحول إلى التزام مالي قابل للمقايضة.
قد يبدو للوهلة الأولى أن الإجراءات الجديدة تحقق مصلحة اللاجئين لأنها تقلل فترات الانتظار الطويلة، لكن الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك، فالسرعة ليست دائمًا مرادفًا للعدالة.
طالب اللجوء الذي يصل إلى أوروبا غالبًا ما يحمل قصة معقدة، ووثائق ناقصة، وآثار صدمات نفسية، وقد يحتاج إلى وقت كافٍ لشرح ظروفه وإثبات تعرضه للاضطهاد، وعندما تتحول الإجراءات إلى سباق مع الزمن، تزداد احتمالات وقوع الأخطاء، هذا وقد حرم طالب اللجوء من التقدم بالطعن أمام الجهة الادارية مصدرة القرار وكذلك تم حرمانه من الحق في التقدم بإعادة طلب اللجوء في حالة ظهور اي وقائع جديدة.
ولذلك حذرت منظمات حقوق الإنسان من أن تسريع الإجراءات قد يؤدي إلى رفض بعض الطلبات دون دراسة كافية، خصوصًا بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال غير المصحوبين بذويهم، وضحايا التعذيب، وضحايا الاتجار بالبشر.
ومن جهة أخرى، فإن توسيع مفهوم “الدول الآمنة” قد يؤدي إلى إعادة أشخاص إلى بلدان لا تزال أوضاعها الأمنية أو السياسية محل خلاف، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يعد حجر الزاوية في القانون الدولي للاجئين.
لكن التأثير لا يقف عند الحدود القانونية، فمن الناحية الاجتماعية، خلقت هذه السياسات حالة واسعة من القلق داخل أوساط اللاجئين المقيمين أصلًا في أوروبا. أصبح كثير منهم يشعر بأن البيئة السياسية التي استقبلته قبل سنوات لم تعد هي نفسها اليوم.
وتزايدت المخاوف بعد ان امتد التشدد تدريجيًا إلى ملفات أخرى، مثل لمّ الشمل، والإقامة الدائمة، والحصول على الجنسية، وحتى برامج الاندماج.
هذه الحالة من عدم اليقين ليست مسألة نفسية فحسب، بل تتحول مع مرور الوقت إلى عامل مؤثر في الاستقرار الاجتماعي كله. فالإنسان الذي يشعر بأن مستقبله القانوني مهدد باستمرار يجد صعوبة في الاستثمار في التعليم، أو شراء منزل، أو إنشاء مشروع اقتصادي، أو حتى بناء علاقات اجتماعية مستقرة.
ومن هنا تبدأ آثار القوانين الجديدة في تجاوز النصوص القانونية لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث يصبح الشعور بالأمان القانوني جزءًا لا يتجزأ من الاندماج الاجتماعي.
وهذا ما يدفعنا إلى إطلاق هذا التساؤل إذا كان الهدف المعلن من الميثاق الأوروبي الجديد هو إعادة الانضباط إلى منظومة اللجوء، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أشهر من بدء تطبيقه ليس: هل نجح في تقليل أعداد الوافدين؟ بل: ما الثمن الذي سيدفعه المجتمع الأوروبي مقابل هذا النجاح إن تحقق؟
وحتى نستطيع ان نحدد الثمن الذي ستدفعه القارة يجب ان ننظر الي ما يمكن ان تخلفه القوانين التي اسرعت البرلمانات لإقرارها لتتوافق مع الميثاق الاوربي من اثار اجتماعية واقتصادية.
وقد يكون أخطر ما في التشريعات الجديدة أنها لم تتعامل مع اللاجئ بوصفه إنسانًا يعيش داخل مجتمع، بل بوصفه ملفًا إداريًا ينبغي تنظيمه، أو رقمًا ينبغي تخفيضه. وبين الإنسان والرقم، تتغير طبيعة السياسات، وتتغير معها طبيعة المجتمع نفسه.
لقد أدت حالة التشدد التي صاحبت مناقشة الميثاق، وما سبقها من حملات سياسية وإعلامية، إلى خلق حالة غير مسبوقة من عدم اليقين داخل أوساط اللاجئين والمهاجرين. فالكثير منهم أصبح يعيش وهو يشعر بأن مستقبله قد يتغير بقرار سياسي جديد، أو بتعديل قانوني قد يصدر في أي لحظة. ولم تعد الأسئلة اليومية تدور حول الدراسة أو العمل أو تعلم اللغة، بل أصبحت تدور حول الإقامة، وإمكانية الترحيل، ولمّ الشمل، ومستقبل الأطفال.
هذه الحالة النفسية ليست مسألة فردية، بل ظاهرة اجتماعية لها آثارها العميقة. فالإنسان الذي يعيش في حالة خوف دائم لا يستطيع أن يندمج بصورة طبيعية، ولا أن يخطط لمستقبله، ولا أن يشعر بالانتماء الحقيقي للمجتمع الذي يعيش فيه. وعندما تتراجع الثقة بالمستقبل، تتراجع معها الرغبة في الاستثمار في التعليم، وفي سوق العمل، وفي بناء العلاقات الاجتماعية، ولهذا فإن أكبر خسارة قد لا تكون قانونية، بل اجتماعية.
إن سياسات الاندماج الأوروبية قامت طوال عقود على قاعدة بسيطة مفادها أن الاستقرار القانوني يولد الاستقرار الاجتماعي. أما اليوم، فإن هذه القاعدة بدأت تهتز. فكلما اتسعت مساحة الغموض القانوني، تقلصت فرص الاندماج الحقيقي.
ومن هنا يمكن فهم سبب التحذيرات التي أطلقتها مؤسسات اجتماعية عديدة في عدد من الدول الأوروبية، والتي رأت أن تحويل ملف اللجوء إلى ساحة صراع انتخابي ستكون له آثار طويلة الأمد تتجاوز قضية الهجرة نفسها.
ويجب ايضا ان نضع ضمن المقياس الاجتماعي معدلات نمو الجريمة، قد يكون من الخطأ الادعاء بأن الميثاق الجديد سيؤدي مباشرة إلى ارتفاع معدلات الجريمة، فالجريمة ظاهرة معقدة لا يمكن ردها إلى سبب واحد. لكن من الصحيح أيضًا أن الدراسات الجنائية تؤكد وجود علاقة بين الشعور بالإقصاء، وانعدام الأفق، والبطالة، وبين بعض أنماط الجرائم، خاصة الجرائم الاقتصادية، والاتجار غير المشروع، والانضمام إلى الشبكات الإجرامية.
فعندما يشعر شاب في مقتبل العمر بأنه قد ينتظر سنوات طويلة دون استقرار، أو أنه قد يفقد حقه في البقاء رغم اندماجه، فإن احتمالات انجرافه نحو مسارات خاطئة تصبح أكبر، ليس لأنه مجرم بطبيعته، وإنما لأن البيئة المحيطة به أصبحت أكثر هشاشة.
ولهذا فإن الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط عبر تشديد القوانين، بل عبر بناء مجتمع يشعر فيه الجميع بأن لهم مكانًا واضحًا داخل المنظومة القانونية.
للأسف لم يتم الاستفادة من درس عام 2015، فعندما وصلت موجة اللجوء الكبرى، سادت حالة من القلق الواسع، واعتقد كثيرون أن القارة تتجه نحو أزمة دائمة. غير أن السنوات اللاحقة أثبتت أن الصورة كانت أكثر روعة. فقد دخل مئات الآلاف من اللاجئين إلى سوق العمل، خاصة في ألمانيا وهولندا والدول الإسكندنافية، وساهموا في تعويض جزء من النقص الحاد في الأيدي العاملة الناتج عن الشيخوخة السكانية وانخفاض معدلات الإنجاب.
كما دخل آلاف الأطباء والمهندسين والمعلمين والحرفيين إلى الاقتصاد الأوروبي بعد إعادة تأهيلهم، وأصبح كثير منهم يدفع الضرائب ويشارك في تمويل أنظمة الضمان الاجتماعي نفسها التي قيل يومًا إنه سيشكل عبئا عليها.
لم تكن التجربة مثالية، ولم تنجح في كل مكان، لكنها أثبتت أن ليسوا كل اللاجئين يشكلون عبئا، بل يمكن أن يصبحوا موردًا اقتصاديًا إذا أُحسن استثمارهم.
ولعل الانتقاد الأساسي للميثاق هو انه ركز بصورة كبيرة على مرحلة الدخول، وأولى اهتمامًا أقل بمرحلة ما بعد الاستقرار، وهي المرحلة التي تحدد في النهاية نجاح أو فشل أي سياسة هجرة.
والتفسير لهذا الخطأ هو أن عملية إعداد الميثاق غلب عليها الطابع الأمني والإداري، أكثر من الطابع الاجتماعي فقد شارك فيها خبراء قانونيون ومسؤولون حكوميون، بينما كان حضور علماء الاجتماع، وخبراء الاندماج، والمتخصصين في علم النفس الاجتماعي، محدودًا مقارنة بحجم التأثير المتوقع لهذه التشريعات.
ولو تم الاستماع بصورة أوسع إلى العاملين في ميادين الاندماج والتعليم والرعاية الاجتماعية، ربما كانت بعض النصوص ستأخذ في الاعتبار آثارها بعيدة المدى على تماسك المجتمعات الأوروبية.
ولا يمكن إنكار أن صعود اليمين المتطرف خلال السنوات الأخيرة ترك أثرًا واضحًا على صياغة الميثاق. فقد نجحت في نقل مركز النقاش السياسي نحو قضايا الهجرة والأمن والهوية، الأمر الذي دفع أحزاب الوسط نفسها إلى تبني مواقف أكثر تشددًا خوفًا من خسارة قواعدها الانتخابية.
وعلي الجانب الاخر تظهر احداث سبتة ومليليه لتكون اختبار يكشف حدود المنظومة الأوروبية و مدي قدرة الميثاق على مواجهه احداث استثنائية، قد شهدت المدينتان موجات عبور جماعية، قد كشفت تلك الأحداث أن الاتحاد الأوروبي، رغم امتلاكه منظومة قانونية متقدمة، لا يزال يواجه صعوبة كبيرة في التطبيق الموحد عندما تتعرض حدوده لضغط مفاجئ، فلم تقتصر التداعيات على اسبانيا والمغرب بل سرعان ما امتدت إلى قلب الاتحاد الأوروبي، لتكشف حجم الانقسام بين الدول الأعضاء في كيفية إدارة ملف الهجرة. فمع تدفق آلاف المهاجرين إلى مدينة سبتة، تعالت داخل عدد من العواصم الأوروبية أصوات سياسية، خاصة من الأحزاب اليمينية، اعتبرت ما جرى دليلاً على أن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي لم تعد قادرة على حماية فضاء شنغن.
فقد تبنت كل من إيطاليا والدنمارك مواقف متشددة، معتبرة أن الهجرة غير النظامية أصبحت تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الأوروبي، وذهبت بعض الأصوات إلى حد المطالبة باستبعاد إسبانيا من منطقة شنغن باعتبارها أخفقت في حماية الحدود الخارجية للاتحاد.
غير أن هذا المطلب، رغم ما حظي به من زخم إعلامي، كان يفتقر إلى أي أساس قانوني داخل المنظومة الأوروبية. فالاتفاقيات المؤسسة للاتحاد الاوربي لا تمنح الدول الأعضاء صلاحية استبعاد دولة عضو بسبب تعرضها لضغوط هجرة، ك، والقائمة على تقاسم المسؤولية والتضامن بين الدول الأعضاء، لا على معاقبة الدولة التي تتحمل العبء الأكبر.
ولذلك جاء الرد الإسباني سريعًا وحادًا، فقد وجّه رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، رسالة إلى رؤساء مؤسسات الاتحاد الأوروبي انتقد فيها ما وصفه بالمواقف “الأنانية” لبعض الدول، مؤكدًا أن الهجرة غير النظامية ليست مشكلة إسبانية، بل تحدٍ أوروبي مشترك، وداعيًا إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي لوضع رؤية جماعية بدلاً من تبادل الاتهامات.
وقد كشفت تلك الأزمة عن حقيقة سياسية مهمة، وهي أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يفتقر إلى سياسة موحدة للهجرة عند وقوع الأزمات الكبرى، وأن مفهوم التضامن الأوروبي يتراجع كلما ارتفع الضغط الداخلي على الحكومات الوطنية. كما أظهرت أن الخطاب الذي تتبناه الأحزاب اليمينية لم يعد يقتصر على المطالبة بتشديد قوانين اللجوء، بل بدأ يمتد إلى التشكيك في إحدى أهم ركائز المشروع الأوروبي، وهي حرية التنقل داخل اوروبا وان أصواتهم تتعالى لتحقيق ما ينادي به ايلون ماسك ويتمناه وهو تفكيك أوروبا، انطلاقًا من هذه التطورات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل السياسة الأوروبية في ملف الهجرة.
السيناريو الأول: نجاح الميثاق الأوروبي في احتواء الأزمة
تتمكن الدول الأعضاء من تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء الجديد بصورة متوازنة، مع تعزيز حماية الحدود الخارجية، وتسريع إجراءات اللجوء، وتوزيع الأعباء بصورة أكثر عدالة بين الدول. وفي هذا السيناريو تتراجع الضغوط السياسية على الحكومات، ويستعيد فضاء شنغن شيئًا من استقراره، بينما ينحسر نفوذ الأحزاب اليمينية تدريجيًا مع شعور المواطنين بأن الاتحاد أصبح أكثر قدرة على إدارة الملف.
السيناريو الثاني: تصاعد نفوذ اليمين وتحول الهجرة إلى أداة لإعادة تشكيل الاتحاد الأوروبي
إذا استمرت موجات الهجرة، وتعثر تنفيذ الميثاق الجديد، فقد تجد الأحزاب اليمينية في ذلك فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها داخل البرلمانات الوطنية والبرلمان الأوروبي. وقد يؤدي ذلك إلى المطالبة بإعادة النظر في اتفاقية شنغن، وتشديد الرقابة على الحدود الداخلية، ومنح الحكومات الوطنية صلاحيات أوسع على حساب مؤسسات الاتحاد، وهو ما سيؤدي إلى إضعاف أحد أهم منجزات المشروع الأوروبي.
السيناريو الثالث: ولادة سياسة أوروبية جديدة تقوم على تقاسم المصالح مع دول الجوار
وقد تدفع الأزمات المتكررة الاتحاد الأوروبي إلى تغيير فلسفته بالكامل، بحيث ينتقل من إدارة نتائج الهجرة إلى معالجة أسبابها. عندها ستزداد الاستثمارات الأوروبية في دول العبور والمنشأ، وستُعقد شراكات أوسع مع دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، مقابل تعاون أكبر في مكافحة الهجرة غير النظامية، وفتح مسارات قانونية للهجرة والعمل. وفي هذه الحالة قد يتحول ملف الهجرة من مصدر دائم للأزمات إلى مجال جديد للتعاون الإقليمي، وإن كان ذلك يتطلب إرادة سياسية أوروبية لا تزال محل اختبار.
لقد أثبتت أزمة سبتة أن الهجرة لم تعد قضية حدود فحسب، بل أصبحت قضية تتعلق بمستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه. فكل أزمة جديدة لا تختبر قدرة أوروبا على حماية حدودها فقط، بل تختبر أيضًا قدرتها على حماية وحدتها السياسية، والحفاظ على قيمها القانونية، والتوفيق بين الأمن والإنسانية. وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر الذي ستواجهه أوروبا خلال السنوات المقبلة.
وفي النهاية، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد القادمين إلى أوروبا، بل في قدرة أوروبا على المحافظة على صورتها وهي تحاول تنظيم هذا الملف المعقد، فالحدود يمكن حمايتها بالقوانين، أما الثقة فلا يحميها إلا العدل.
وإذا كان الميثاق الأوروبي الجديد يمثل بداية مرحلة قانونية جديدة، فإن نجاحه لن يُقاس بعدد طلبات اللجوء التي انخفضت، بل بقدرته على تحقيق معادلة طالما شكلت جوهر المشروع الأوروبي حرية واخاء ومساواة.




