الاستغناء عن المهاجرين ليس بهذه السهولة!
د.ابوبكر باذيب
هناك تصريحات سياسية لا تكمن أهميتها في مضمونها فقط، وإنما في توقيت صدورها والبيئة السياسية التي جاءت منها، وفي ظل تسارع تناقل الأخبار المتصلة بتطرف توجهات أحزاب اليمين ضد المهاجرين، والخلفيات الثقافية والدينية المتعددة، وصداها في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، نفاجأ بتصريح متقدم ومختلف من المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن المهاجرين، أعتقد أنه الأهم، ليس فقط من حيث الشخصية التي أدلت به، وإنما أيضًا من حيث التأكيد المطلق على الشراكة الكاملة وغير المنقوصة للمهاجرين في الوطن الألماني، وقد يكلف ذلك المستشار الكثير من رصيده السياسي وكذلك حزبه.
ميرتس قال بوضوح إن المستشفيات ودور الرعاية ومواقع البناء والمطاعم والفنادق في ألمانيا لا يمكن أن تستمر في العمل بالشكل الحالي من دون المهاجرين الذين يعيشون في ألمانيا منذ عقود ويعملون فيها وأصبحوا مندمجين في المجتمع، كما شدد على أن العداء للأجانب لا مكان له في ألمانيا.
دلالة هذا التصريح لا تكمن فقط في نصه الألماني وما حمله من عبارات واضحة عن الامتنان والشراكة، وإنما أيضًا في الطريقة التي قيل بها، إذ صدر عن المستشار الألماني بصفته الرجل الأول في البلاد، وبكاريزمية عكستها لغة جسده ونبرة حديثه، بما يوحي بقناعة واضحة بأهمية الشراكة مع المهاجرين ودورهم في المجتمع الألماني.
وفي الوقت نفسه، حمل التصريح رسالة موازية لا تقل وضوحًا الشراكة تعني الاندماج والاحترام المتبادل والالتزام بقواعد المجتمع، ولا تعني السماح بالتطاول أو الإخلال بالنظام أو خلق حالة من الفوضى التي قد لا يكون المجتمع الألماني مستعدًا لقبولها اليوم.
ميرتس لا يتحدث باعتباره سياسيًا يدعو إلى فتح أبواب الهجرة بلا حدود، ولا يلغي حق الدولة في تشديد إجراءاتها تجاه الهجرة غير النظامية، بل يقول شيئًا أكثر واقعية، هناك مهاجرون موجودون بالفعل منذ سنوات طويلة، أصبحوا جزءًا من الاقتصاد والمجتمع الألماني، ولا يمكن التعامل معهم وكأن وجودهم مؤقت أو قابل للمحو بقرار سياسي.
وهذا التمييز مهم للغاية في النقاش الأوروبي الحالي بين صعود اليمين وواقع المجتمع لا يمكن إنكار أن ملف الهجرة أصبح أحد أهم الملفات السياسية في أوروبا، وأن الأحزاب اليمينية والشعبوية حققت تقدمًا في عدد من الدول وفي ألمانيا نفسها أصبح حزب البديل من أجل ألمانيا قوة سياسية مهمة، بينما تحولت قضية الهجرة والترحيل إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل.
بل إن بعض الأصوات داخل التيارات اليمينية ذهبت إلى الحديث عن إعادة أعداد ضخمة من المهاجرين إلى بلدانهم، وظهرت تصريحات أكثر قسوة وصلت إلى الحديث عن استخدام القوة ضد المهاجرين أو إجبارهم على المغادرة.
وفي مواجهة هذا الخطاب تأتي كلمات ميرتس لتقول إن المسألة ليست بهذه البساطة، فألمانيا التي نتحدث عنها اليوم ليست ألمانيا التي كانت قبل عدة عقود وكذلك أوروبا كلها، هناك ملايين الأشخاص من أصول عربية وأفريقية وآسيوية ولاتينية يعيشون داخل المجتمعات الأوروبية، وبعضهم موجود منذ جيل أو جيلين، وبعضهم ولد في أوروبا أصلًا يعملون في المستشفيات، ودور الرعاية، والمصانع، وشركات التكنولوجيا، وقطاع النقل، والمطاعم، والبناء، والخدمات، والجامعات، ومختلف القطاعات الاقتصادية.
وبالتالي فإن السؤال لم يعد فقط: هل نريد مهاجرين جددًا؟
السؤال أصبح أيضًا: ماذا نفعل بالمهاجرين الذين أصبحوا بالفعل جزءًا من المجتمع؟
كل تلك الدلالات التي حملها حديث المستشار الألماني وتصريحاته، والجدل الذي رافقها في وسائل الإعلام والتلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي، تؤكد بشكل أو بآخر أن الرسالة تتجه نحو التأكيد على استيعاب المهاجر الذي أصبح بالفعل جزءًا من المجتمع الألماني، ويسهم في خدمته والاستفادة من إمكاناته، أكثر من كونها دعوة إلى استقبال المزيد من اللاجئين أو المهاجرين.
حيث تتجه السياسات الأوروبية والألمانية إلى تشديد ضوابط الهجرة واللجوء والحد من تدفقات جديدة وفرض إجراءات أكثر صرامة على القادمين، وكأن الرسالة التي أراد المستشار إيصالها هي من اختار الاندماج وخدمة مجتمعنا وأصبح جزءًا من نسيجه، فإننا سنعمل على حماية مكانه وعدم المساس به، وهي في جوهرها رسالة تطمين إلى المهاجرين المندمجين ورسالة تأكيد على الحفاظ على تماسك مجتمع متعدد الثقافات دون أن تعني بالضرورة فتح الباب أمام موجات جديدة من الهجرة.
السويد.. صورة أخرى للمشهد الأوروبي
ولعل الانتخابات السويدية الأخيرة تقدم مثالًا مهمًا على أن المشهد الأوروبي ليس اتجاهًا واحدًا، فالنتائج أظهرت تقاربًا كبيرًا بين الكتلتين السياسية الرئيسية، مع حصول كتلة يسار الوسط على أغلبية ضيقة، وتراجع نسبي في حضور حزب ديمقراطيي السويد اليميني مقارنة بالانتخابات السابقة.
لا يعني ذلك أن السويد تخلت عن تشديد سياسات الهجرة، ولا يعني أن أوروبا أصبحت فجأة يسارية أو ليبرالية في قضية الهجرة، لكن النتائج تؤكد شيئًا مهمًا ان المجتمعات الأوروبية ما زالت منقسمة، وما زالت هناك مساحة سياسية واسعة بين التشدد اليميني وبين المواقف الأكثر اعتدالًا تجاه المهاجرين.
وهذا المشهد يتكرر بدرجات مختلفة في دول أوروبية أخرى، فأوروبا اليوم تشهد صعودًا واضحًا لتيارات يمينية ترفع شعارات الهوية الوطنية، وتشدد على ضبط الحدود، وتقليل أعداد طالبي اللجوء، وتشديد شروط الإقامة والاندماج، لكن في المقابل هناك تيار آخر يرى أن أوروبا لا تستطيع أن تتحول إلى مجتمعات مغلقة، وأن معالجة ملف الهجرة يجب أن تتم في إطار القانون وحقوق الإنسان والاندماج الاجتماعي.
إسبانيا تقدم نموذجًا مختلفًا
وإذا انتقلنا إلى إسبانيا نجد نموذجًا آخر يستحق التأمل، فالحكومة الإسبانية اتخذت إجراءات لتسوية أوضاع أعداد كبيرة من المهاجرين الذين يعيشون في البلاد منذ سنوات، خصوصًا أولئك الذين أصبحوا جزءًا من سوق العمل والمجتمع، وهذا لا يعني أن إسبانيا فتحت حدودها أمام الجميع، وإنما يعكس فكرة مختلفة هناك فرق بين تنظيم الهجرة الجديدة وبين التعامل مع واقع بشري موجود بالفعل داخل البلاد، وهذا الفرق مهم جدًا.
يمكن للدولة أن تقول لن نستقبل أعدادًا جديدة بهذه الطريقة، لكنها في الوقت نفسه تستطيع أن تقول هناك أشخاص يعيشون هنا منذ سنوات يعملون، ولديهم أسر وأطفال، ويساهمون في الاقتصاد، ولذلك سنبحث عن طريقة قانونية لتنظيم وجودهم، وهذه ليست مفارقة؛ بل هي محاولة لإدارة واقع اجتماعي أصبح قائمًا.
وتعمدت فيما سبق سرد سياقات أوروبية مختلفة في التعامل مع سرديات المهاجرين في المجتمعات الأوروبية، فالمهاجر ليس مجرد رقم، فهناك أيضا بعد إنساني لا ينبغي أن يختفي خلف الأرقام؛ فالكثير ممن وصلوا إلى أوروبا لم يغادروا أوطانهم بحثًا عن حياة سهلة.
فالسوري الذي هرب من الحرب، واليمني الذي غادر بسبب الصراع والانهيار، والأفريقي الذي فر من الفقر أو النزاع، وغيرهم من المهاجرين القادمين من مناطق مختلفة من العالم، لم يتخذوا قرار الرحيل في ظروف طبيعية، لقد دفعتهم ظروف اقتصادية وأمنية وإنسانية قاسية إلى البحث عن مكان أكثر أمنًا واستقرارًا.
وبمجرد وصول الإنسان إلى أوروبا، تبدأ قصة جديدة يتعلم اللغة ويدخل سوق العمل ويرسل أبناءه إلى المدارس ويدفع الضرائب ويؤسس أسرة، وقديفتح مشروعًا، ويشارك في الحياة العامة، وبعد عشر أو عشرين سنة، يصبح من الصعب النظر إليه باعتباره مجرد “أجنبي”.
لأن السؤال لم يعد فقط: من أين جاء؟
بل يصبح: ماذا أصبح يمثل داخل المجتمع الذي يعيش فيه؟
ومن أبرز النماذج التي تجسّد بصورة واضحة تحولات المجتمعات الأوروبية وتداخل مكوناتها، تأتي الرياضة وكرة القدم تحديدًا، فإذا تأملنا المشهد الكروي في كبرى الدول الأوروبية، سنجد حضورًا واسعًا للاعبين من أصول أفريقية وعربية وآسيوية؛ بعضهم وُلد في أوروبا، وبعضهم وصل إليها في سن مبكرة، ونشأ في مدارسها وأنديتها وتشكّل وعيه داخل مجتمعاتها.
وهؤلاء لم يعودوا يُنظر إليهم بالضرورة باعتبارهم مجرد ممثلين لأقليات مهاجرة، بل أصبح كثير منهم جزءًا أصيلًا من صورة المنتخب الوطني ومن رموز الرياضة في بلدانهم، وعندما يفوز منتخب إنجليزي أو فرنسي أو ألماني أو هولندي ببطولة، يظهر هذا التنوع على أرض الملعب بوصفه جزءًا من المشهد الوطني نفسه.
وبذلك لا تبدو كرة القدم مجرد لعبة أو مساحة للمنافسة الرياضية، بل تصبح مرآة لتحول اجتماعي أوروبي امتد على مدى عقود، وأعاد تشكيل مفهوم الانتماء والهوية الوطنية داخل مجتمعات أكثر تنوعًا.
أوروبا ليست أمام خيارين فقط
المشهد الأوروبي لا ينبغي اختزاله في خيارين إما فتح الحدود أمام الجميع، أو طرد جميع المهاجرين، هناك مساحة واسعة بين الاثنين، يمكن للدول أن تضبط الحدود وتعيد من لا يملك حقًا قانونيًا في الإقامة وتشدد شروط اللجوء، وفي الوقت نفسه تحمي حقوق من حصلوا على إقامة قانونية، وتستثمر في اندماج من أصبحوا جزءًا من المجتمع.
وهنا تكمن أهمية التصريحات المعتدلة التي تصدر أحيانًا من قيادات أوروبية، قد تكون أوروبا قد بدأت بالفعل في تشديد سياساتها تجاه استقبال اللاجئين الجدد، وقد تستمر بعض الدول في تقليل أعداد المقبولين خلال السنوات المقبلة، لكن هذا شيء، والتعامل مع ملايين الأشخاص الذين يعيشون داخل أوروبا منذ سنوات طويلة شيء آخر تمامًا.
يمكن لأوروبا أن تغلق بعض أبوابها أمام الهجرة الجديدة، لكنها لا تستطيع أن تغلق عينيها أمام الحقيقة التي تشكلت داخل مجتمعاتها، المهاجرون لم يعودوا على هامش أوروبا، بل أصبحوا جزءًا من قلبها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
وربما تكون هذه هي المعركة الأوروبية القادمة، ليست فقط معركة حول من يدخل أوروبا، وإنما معركة أعمق حول من أصبح أوروبيًا بالفعل، ومن يملك الحق في أن يكون جزءًا من أوروبا المستقبلية .. فأوروبا التي نراها اليوم في المستشفيات والجامعات والمصانع ومواقع البناء والمطاعم والمواصلات والملاعب ليست أوروبا التي كانت قبل نصف قرن، لقد تغيرت، وتغيرت معها تركيبة مجتمعاتها.
ولهذا، فإن الخطاب الأوروبي الأكثر واقعية ربما لن يكون خطابًا يقول إن الهجرة انتهت، ولا خطابًا يقول إن الحدود يجب أن تبقى مفتوحة بلا قيود، وإنما خطابًا يعترف بحقيقتين في الوقت نفسه، من حق أوروبا أن تدير حدودها، ومن حق المهاجر الذي أصبح جزءًا من مجتمعها أن يُنظر إليه باعتباره جزءًا من هذا المجتمع.
وهنا تحديدًا تبدو كلمات المستشار الالماني ذات دلالة، أوروبا تستطيع أن تناقش مستقبل الهجرة، لكنها لا تستطيع ببساطة أن تلغي حاضر المهاجرين الذين أصبحوا جزءًا من حاضرها ومستقبلها.



