المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / السويد.. نقطة التحول ضد اليمين المتطرف

السويد.. نقطة التحول ضد اليمين المتطرف

السويد.. نقطة التحول ضد اليمين المتطرف

د.جمال حسين

الانتخابات السويدية التي جرت كانت معركة انتخابية حقيقية بين ايدلوجيا مختلفة وليست مجرد احزاب تتنافس علي تشكيل الحكومة فما حدث في السويد يحمل دلالة أوروبية أوسع بكثير؛ لأن البلد الذي كان يُنظر إليه لعقود باعتباره واحدًا من أكثر المجتمعات الأوروبية انفتاحًا على الهجرة، تحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الساحات الأوروبية تشددًا في قضايا اللجوء والهجرة والاندماج، قبل أن يأتي الناخب السويدي ليوجه ضربة للاتجاه الذي حكم السويد خلال السنوات الماضية فما حدث لحزب ديمقراطي السويد  القوة اليمينية القومية المتشددة التي أصبحت خلال السنوات الماضية اللاعب الأكثر تأثيرًا في إعادة صياغة السياسة العامة  فقد تراجع الحزب إلى نحو 17.6 في المائة، وخسر موقعه كثاني أكبر حزب لمصلحة حزب المحافظين، في أول تراجع انتخابي له منذ دخوله البرلمان، بعد سنوات من الصعود المتواصل.

وقد امتلك هذا الحزب نفوذًا سياسيًا يفوق بكثير حجمه في البرلمان فقد قام التعاون بين حكومة كريسترشون وينسب له كل التحولات الكبري في ملفات الهجرة والاندماج والجريمة المنظمة.
ونستعرض هنا ما قاموا به ووجهوا جهودهم نحوه

وهم وسعوا النقاش فلم يقصروا النقاش علي تخفيض عدد اللاجئين لتستطيع السويد استقبالهم واستيعابهم وانما عملوا علي جعل الاقامة في السويد اقامة مؤقتة يجب ان لا تصل الي طريق الاستقرار والاندماج ومن ثم المواطنة لهذا عملوا على تعقيد شروط لم شمل الاسرة والعمل والسكن وقاموا برفع قيمة منحة العودة الطوعية، وأصبح الشخص البالغ المؤهل للحصول عليها يستطيع الحصول على ما يصل إلى 350 ألف كرونة سويدية، فيما يمكن للأسرة الحصول على مبالغ أكبر. كما توسعت إجراءات الاحتجاز والرقابة بهدف زيادة عمليات العودة، ووضعت الحكومة مقترحات لتشديد قواعد الإشراف والاحتجاز وترحيل من صدرت بحقهم قرارات إبعاد وهو امر يظهر بصورة جلية الاتجاه العام نحو دفع المهاجرين للخروج من البلاد.

وتتعمق المشكلة الاساسية و هي الاندماج ماذا يفعل لاجئ يحمل شهادة جامعية، لكنه يصل إلى السويد بعد سنوات من الحرب أو الاضطهاد، ولا يتحدث السويدية؟ كيف يستطيع أن ينافس في سوق العمل إذا كانت الوظائف التي تتناسب مع مؤهلاته تحتاج إلى مستوى لغوي مرتفع؟ وكيف يمكن لشخص أن يحقق شروط الاستقرار الاقتصادي المطلوبة منه إذا كانت أبواب سوق العمل مغلقة أمامه أصلًا بسبب اللغة وعدم الاعتراف بمؤهلاته وعدم فتح له مجال ليعمل حتى يستطيع ان يستقر في ظل خطاب معادي ونظرة انتقادية لكل من يساعد اللاجئ مع اتهام بانه لمن يقدم مساعدة ما او يفتح مجال لعمل مهاجر بانه يهدد استقرار واسس المجتمع السويدي بقبول هذا الاجنبي الذي يعمل على تدمير الموروث الثقافي للمجتمع السويدي.

عندما يصبح الحي مشكلة ثم تم ادراج قضية اخري ذات خصوصية و وجهت بصورة خاصة للمهاجرين وهي  الجغرافيا الاجتماعية للمهاجرين فقد عمل سياسي حزب ديمقراطي البديل علي ابراز مصطلح  المجتمعات الموازية و المناطق المعزولة ودفع الحكومة السويدية  لتبني الخطاب بان أشكال البنية الاجتماعية الموازية تعزز العزلة الاجتماعية وتضعف الاندماج، بالرغم ان الأحياء التي يسكنها المهاجرون لم تتشكل دائمًا لأن المهاجرين  يرفضون الاندماج في كثير من الأحيان، تشكلت نتيجة أسعار السكن، وتوزيع المساكن، ومستويات الدخل، وطبيعة سوق العمل، وتاريخ الهجرة، وسياسات الإسكان نفسها.

ولابد لنا من الاشارة الواقعية بان الشبكة الاجتماعية داخل هذه الأحياء ليست عائق أمام الاندماج. بالنسبة إلى القادم الجديد، قد تكون هذه الشبكة أول مكان يجد فيه من يترجم له ورقة رسمية، أو يساعده في البحث عن عمل، أو يشرح له كيف يسجل طفله في المدرسة.

فما هي نتيجة تفكيك هذه الشبكات بالقوة ادي هذا الجهد الي عزل الفرد عن مجتمعه القديم من دون منحه فرصة للقبول في مجتمع جديدًا يستطيع أن ينتمي إليه.

ولم يتم الاقتصار علي هذه النواحي فقد تم استغلال قواعد حماية الاطفال التي تتمتع بها السويد لتكون اداه لاضطهاد المهاجرين فبالرغم ان القواعد وضعت وذلك لحماية الاطفال عند تعرضه للخطر او ان اسرته غير قادرة لتوفير الرعاية الازمة و لكن تم استهداف اسر المهاجرين اما بسبب نقص المعلومات الخاصة برعاية الاطفال او لمعتقدات ثقافية مختلفة عن مجتمع السويد فتجد الاسر المهاجرة مقصلة حرمانهم من اطفالهم وذلك لان اجهزة الدولة تراقبهم بصورة مختلفة دون وضع الاختلاف الثقافي في تربية الاطفال في الاعتبار  وشملت المراقبة زيارات منزلية والفحص اللغوي للأطفال ودعم اللغة السويدية في مرحلة الطفولة المبكرة ولم تقتصر المقصلة علي الاطفال الصغار بل ان الاطفال الذين بلغوا ثمانية عشر عام مطلوب منهم مغادرة السويد لانهم لم يحصلوا علي عمل مناسب ولم يشفع لهم تفوقهم الدراسي او تسجيلهم في مدارس و كليات مرموقة فلابد عليهم المغادرة واذا بالمهاجر تحت ضغوط متنوعة يجد ان لا مجال له سوي المغادرة او العيش في قلق دائم من المؤسسات التي تحولت من مؤسسات خدمية الي اداة سياسية تعمل بأجندة

والنتيجة بعد هذا كله عدم تحقق ما هدف منه المجتمع فالجريمة المنظمة المتسعة والتي اتهم بها المهاجرين لم تنحصر بل زادت و تدهورت الرعاية الصحية لنقص الكوادر الصحية – مهاجرين رحلوا – و تدهور في الخدمات التعليمية ، ولم يقتصر التدهور علي ذلك وانما ايضا اشار تقرير المفوضية الاوربية الي خلل هيكلي ادي الي شح المعروض السكني و فشلت التعديلات القانونية التي أدخلتها الحكومة على تصاريح البناء في حل أزمة نقص العقارات والبيوت المعدة للإيجار وارتفعت ديون الاسرة وزاد المتعثرين للسداد وبالطبع وفق لاتجاه اليمين تراجعت الحكومة عن اهداف التحول الاخضر و خفضت الضرائب علي الوقود الاحفوري والديزل لعل ما استعرضناه فيما سبق رد علي السؤال لماذا خسر اليمين ؟ فالسويديين لم يتحولوا الى اليسار، ولكن تغير المزاج العام وقال الناخب السويدي لقد تجاوزتم الحد فقد أطلقت يدهم ولم يحققوا الا المزيد من الفرقة والتدمير للقيم المجتمعية.بالرغم ان خسارة حزب ديمقراطي السويد لا تعني انتهاء اليمين المتطرف او تشكيل حكومة يسارية، ولكنها منعطف هام سيعيد تشكيل الافكار اليمينية وكذلك الاولويات السياسية لدي السياسيين الاوربيين.

التعليقات مغلقة.