قراءة في العقلية الأوروبية تجاه ميليشيات إيران
د. ابوبكر باذيب
تكشف المواقف الهولندية الأخيرة تجاه ميليشيات الحوثي في اليمن عن تحول يستحق التوقف عنده، ليس فقط باعتباره موقفاً دبلوماسياً هولندياً، وإنما بوصفه نموذجاً يمكن من خلاله قراءة جانب من العقلية الأوروبية في التعامل مع الفوضى التي تنتجها إيران عبر أذرعها وميليشياتها في المنطقة.
فخلال أقل من عام، انتقل الخطاب الهولندي كنموذج للسردية الغربية من المطالبة بمنح مساحات واسعة للعمل السياسي ومحاولة استيعاب الميليشيات والقوى المسلحة، سيما النموذج الحوثي في اليمن ضمن مسارات سياسية والتعامل معها باعتبارها طرفاً يمكن إدماجه في العملية السياسية، بالتوازي مع توجيه الانتقادات أحيانا للحكومة الشرعية في بعض مساعيها الرامية إلى مواجهة هذه الجماعة أو تصوير التعامل معها باعتباره تهميشاً أو إقصاءً لمظلومية فئة من اليمنيين، إلى خطاب أكثر وضوحاً في توصيف الخطر الحوثي.
حيث بدأت الخارجية الهولندية منذ أشهر عبر لسان وزير خارجيتها السابق بإدانة استهداف المصالح الأوروبية في مضيق باب المندب والبحر الاحمر والمطالبة بإدراج الحوثيين على قائمة الإرهاب، ثم انتقلت وايضا على لسان وزير الخارجية الحالي إلى إدانة استهداف المملكة العربية السعودية من قبل مليشيات إيران في اليمن والتأكيد على التضامن معها.
يعكس هذا الانتقال في جوهره ابتعاداً تدريجياً براغماتياً عن حالة التماهي السياسي والقراءة غير الدقيقة للواقع اليمني والإقليمي التي لم تتعامل بالقدر الكافي أو المسؤول مع طبيعة الدعم الإيراني للحوثيين ولا حجم تأثير هذه الميليشيات في الداخل اليمني ولا امتداد تهديدها إلى الأمن الاستراتيجي اليمني والخليجي والعربي، وصولاً إلى إدراك أكثر واقعية لطبيعة الخطر الذي تمثله هذه الجماعة ليس على اليمن هذه المرة، وانما على العالم ومصالحه.
وبين الموقفين مساحة واسعة لطرح الأسئلة التي يمكن أن تقدم حول الطريقة التي تقرأ بها أوروبا إيران وأذرعها الإقليمية، وحول علاقتها بدول الخليج، وكيف تنظر إلى الأزمة اليمنية، وأين تقف حدود الفصل بين الاعتبارات السياسية والحقوقية والإنسانية من جهة، والمصالح الأمنية والاستراتيجية الأوروبية من جهة أخرى.
واللافت هنا، والجدير بالإشارة إليه عند قراءة النص الدقيق لتغريدة وزير الخارجية الهولندي السابق لم يتعامل مع ممارسات ميليشيات الحوثي في اليمن بالقدر ذاته من المسؤولية والصرامة التي تعامل بها عندما أصبحت المصالح الهولندية نفسها عرضة للاستهداف إذ تجاوز موقفه في هذه الحالة كثيراً من المواقف الهولندية والأوروبية السابقة التي اتسمت بالتحفظ والرهان على المسار السياسي، لينتقل إلى لهجة أكثر وضوحاً وحسماً بمجرد تعرض مصلحة هولندية مباشرة للخطر.
فقد قال الوزير السابق، دافيد فان ويل، نصاً: “لقد شكل الحوثيون منذ فترة طويلة تهديداً خطيراً لحرية الملاحة، وهذا أمر غير مقبول، سأعمل من أجل ضمان إدراج الحوثيين على قائمة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي وأن يتبنى الاتحاد الأوروبي عقوبات إضافية”. انتهت تغريدة الوزير!
يكشف هذا الموقف بوضوح أن درجة الاستجابة الأوروبية للتهديد لا تتحدد دائماً بحجم الخطر الذي تمثله الميليشيا على اليمنيين أو على دول المنطقة، وإنما تتصاعد بصورة أكثر وضوحاً عندما ينتقل الخطر من المجال الإقليمي إلى المصالح الأوروبية المباشرة.
هذه التغريدة مهمة لأنها تكشف نقطة التحول الأساسية في التفكير الأوروبي، عندما تتحول الأزمة الإقليمية إلى تهديد مباشر للمصلحة الأوروبية، تتغير اللغة السياسية حيث لم يعد الحديث هنا عن أزمة يمنية داخلية ولا عن خلاف سياسي بين أطراف يمنية ولا عن ملف إنساني فقط، أصبح الحديث عن سفينة هولندية، وملاحة دولية، وطرق تجارية، وقانون دولي، وعقوبات، وقائمة إرهاب.
ثم جاءت بالإمس الثلاثاء 8 سبتمبر التغريدة الأحدث لوزير الخارجية الهولندي الحالي توم بيرندسن، عقب الهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية، وجاء مضمونها: “تدين هولندا هجمات الحوثيين ضد المملكة العربية السعودية وفي اليمن…”
قد تبدو التغريدة الأخيرة مجرد إدانة دبلوماسية لهجوم جديد، لكنها في سياق التغريدة الأولى تصبح أكثر أهمية، حيث وجهت عديد الدول الاوروبية خلال السنوات الماضية انتقادات إلى الرياض والحكومة الشرعية اليمنية بسبب خياراتهما في حماية الأمن الإقليمي ومواجهة الجماعة عسكريًا، فإن التجربة أثبتت أن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم مجرد طرف سياسي يمكن استيعابه ضمن تسوية تفاوضية لم يكن قراءة كافية لطبيعة هذه الجماعة ومشروعها.
فقد كان الأجدر، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة، قراءة ما قامت به المملكة والحكومة الشرعية خلال السنوات الماضية في ضوء طبيعة التهديد الذي تمثله جماعة مسلحة مدعومة من إيران، لا باعتبارها مجرد طرف من أطراف النزاع اليمني.
أما اليوم، فقد أصبح المشهد مختلفًا، إذ لم تعد القضية بالنسبة إلى هولندا والغرب مرتبطة فقط بتقييم خيارات الأطراف اليمنية أو بمسارات التسوية السياسية، وإنما أصبحت مرتبطة بتهديد مباشر للمصالح الهولندية والأوروبية في المنطقة، وهو ما دفع الخطاب الهولندي إلى قدر أكبر من الحزم والوضوح في التعامل مع الحوثيين، وأعاد بصورة غير مباشرة، طرح السؤال حول مدى دقة القراءات الأوروبية السابقة لطبيعة الصراع اليمني والإقليمي ومصادر التهديد فيه.
وهنا تبدأ القراءة الأوسع التي سأحاول استعراضها عبر ثلاث محددات لفهم العقلية الأوروبية، وقراءتها للأزمات في المنطقة، من اجل فهم أدق للموقف الأوروبي تجاه الفوضى التي تسوق لها إيران في المنطقة عبر ميليشياتها:
أولاً: الموقف من إيران يرتبط، في أحيان كثيرة، بالموقف من دول الخليج: لا يمكن قراءة السياسة الأوروبية تجاه إيران بمعزل كامل عن نظرة أوروبا إلى دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية ظلت العلاقة الأوروبية مع عدد من دول الخليج محكومة بمزيج من المصالح الاقتصادية من جهة، والانتقادات السياسية والحقوقية من جهة أخرى وفي كثير من الأحيان كان الخطاب الأوروبي تجاه دول الخليج أكثر حدة مما كان عليه تجاه إيران وأذرعها، هذه المفارقة أنتجت حالة من الالتباس، فأوروبا تعرف حجم الخطر الذي تمثله إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول مواجهتها مع إيران إلى اصطفاف كامل مع دول الخليج، بسبب ملفات سياسية وحقوقية مختلفة، وأحكام سابقة لسنا بصدد الحديث عنها.
وهنا كانت المشكلة فأحياناً يجري التعامل مع السعودية ودول الخليج باعتبارها جزءاً من المشكلة السياسية في المنطقة، بدلاً من النظر إليها باعتبارها أيضاً جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي التي تواجه مشروعاً إيرانياً منظماً يمتد من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن، وبالتالي فإن بعض القراءات الأوروبية كانت تفصل بين التهديد الإيراني وبين البيئة العربية التي تتعرض لهذا التهديد.
لكن الواقع يقول شيئاً آخر، إيران لا تعمل في المنطقة كدولة منفردة فقط وإنما بنت شبكة من الفواعل المتطرفة والمسلحة التي تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً في عدد من الدول، والحوثيون في اليمن يمثلون إحدى حلقات هذه الشبكة، وعندما تنظر أوروبا إلى كل أزمة على حدة، فإنها قد تفقد الصورة الأكبر.
وقد أدى التماهي مع هذه المقاربة المجتزأة إلى تعرض عدد من المصالح الاستراتيجية الأوروبية لمخاطر متزايدة، سيما في ما يتعلق بأمن الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي ومع تصاعد هذه التهديدات، بدأت المؤسسات الأوروبية تدرك محدودية التعامل مع الأزمات بصورة منفصلة، وأهمية النظر إلى الدور الإيراني وشبكة الفاعلين المرتبطين بها ضمن إطار إقليمي أوسع، الأمر الذي دفع إلى إعادة تقييم بعض التقديرات والسياسات السابقة، والبحث عن مقاربات أكثر شمولًا لحماية المصالح الأوروبية وتعزيز الأمن الإقليمي.
ثانياً: المبالغة في الرهان على المسار السياسي: يتمثل المحدد الثاني في الاعتقاد الراسخ لدى بعض الأطراف الأوروبية بأن الحل السياسي والتفاوضي هو الطريق الأكثر أماناً لمعالجة الأزمات وهو ما يعكس في بعض الحالات قراءة جزئية لطبيعة الصراعات وتعقيداتها، وقد أثبت النموذج اليمني على الأقل محدودية هذه المقاربة في تحقيق نتائج أو تسويات، فقد انصب التركيز الأوروبي والدولي خلال سنوات الأزمة اليمنية على دعم المسار السياسي والتفاوضي إلى جانب أولوية الاستجابة الإنسانية والإغاثية مع وجود مخاوف مبالغ فيها من أن يؤدي أي تدخل عسكري إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، وفي المحصلة لم يتحقق السلام في اليمن، ولم تتوقف الفوضى التي تنتجها ايران وميلشياتها، ولم تنتهي الازمة الانسانية.
ولهذا اثبتت التطورات أن المقاربات الاوروبية تبدو أقل قدرة على تفسير الواقع عندما يكون أحد الأطراف الفاعلة ميليشيا مسلحة وإرهابية ومرتبطة بمشروع إقليمي، وتستخدم القوة لفرض واقع سياسي وعسكري جديد، وقد أظهرت التطورات أن التركيز على المسار السياسي دون موازنة ذلك مع متطلبات الردع والأمن ومواجهة مصادر التهديد، قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتفاقم تداعياتها الإنسانية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة أوروبية أكثر توازناً تجمع بين المسار السياسي والاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن والردع، بعيداً عن التعامل مع الأزمة من منظور سياسي أو إنساني منفصل عن طبيعة التهديدات القائمة وهذا ما أظهرته التجارب في أن الضغط باتجاه التسويات السياسية من دون بناء قدرة حقيقية على إلزام الطرف المسلح بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه قد يؤدي إلى نتيجة عكسية.
فالطرف الذي يمتلك السلاح ويعرف أن المجتمع الدولي يخشى التصعيد الإنساني، يمكن أن يجد في هذه المعادلة مساحة للمناورة وإعادة إنتاج الصراع، وهنا يمكن قراءة تجربة اتفاق ستوكهولم باعتبارها نموذجاً مهماً.. لقد كان الهدف تخفيف المعاناة، وتثبيت التهدئة، وفتح الطريق أمام عملية سياسية أوسع، لكن مرور السنوات أظهر أن تجميد بعض الجبهات لا يعني بالضرورة إنهاء المشروع العسكري والسياسي للطرف المسلح، وهذه واحدة من الإشكالات التي تواجه العقلية الأوروبية: الخلط بين إدارة الصراع وإنهاء أسباب الصراع.
فقد يكون وقف إطلاق النار ضرورياً، وقد تكون المساعدات الإنسانية ضرورية، وقد يكون التفاوض ضرورياً، لكن كل ذلك لا يصبح حلاً إذا لم يترافق مع معالجة مصدر القوة الذي يسمح باستمرار الحرب.
ثالثاً: المصالح الأوروبية هي التي تعيد ترتيب الأولويات: المحدد الثالث هو الأكثر واقعية، الدول في النهاية تتحرك وفق مصالحها وعندما تكون الأزمة بعيدة عن المصالح المباشرة، يمكن أن يحتل الخطاب الحقوقي والإنساني والسياسي مساحة أكبر، لكن عندما تصل الأزمة إلى التجارة والطاقة والملاحة والأمن تتغير الأولويات.
وهذا بالضبط ما حدث في البحر الأحمر عندما استُهدفت سفن تجارية، وأصبحت الملاحة في باب المندب وخليج عدن أكثر خطورة، لم يعد الحوثيون بالنسبة لأوروبا مجرد جماعة مسلحة داخل حرب يمنية، بل أصبحوا تهديداً للمصالح الأوروبية، وعندما تعرضت سفينة هولندية للهجوم، أصبح الخطر هولندياً بصورة مباشرة.
ولهذا ظهرت في خطاب وزير الخارجية الهولندي السابق مفردات مختلفة: قائمة الإرهاب، العقوبات، حماية السفن، طرق التجارة، والقانون الدولي، وهذه ليست مجرد مفردات دبلوماسية، وانما توجه لإعادة بلورة شكل ومسار السرديات التي أسقطت مع الوقت الكثير من الحكومات الاوروبية التي فشلت في الايفاء بالتزامات جودة الحياة لمواطنيها بسبب الازمات المتكررة للطاقة والتضخم الذي سببته حروب إيران واوكرانيا.
وهي في المحصلة تعكس انتقال القضية من المجال السياسي الإقليمي إلى المجال الأمني والاستراتيجي الأوروبي، وهنا يجب فهم نقطة أساسية: أوروبا لم تكتشف فجأة أن الحوثيين يشكلون خطراً، وإنما اكتشفت أن هذا الخطر أصبح يمس مصالحها بصورة مباشرة، من باب المندب إلى أمن أوروبا، إن أمن باب المندب ليس شأناً يمنياً خالصاً، وبالمثل، فإن أمن الخليج ليس شأناً خليجياً فقط.
عندما تتعرض الملاحة في البحر الأحمر للخطر تتأثر التجارة العالمية، وعندما تتعرض إمدادات الطاقة للخطر تتأثر أوروبا، وعندما تصبح سلاسل الإمداد أكثر تكلفة وأبطأ وأكثر خطورة، تصبح الأزمة جزءاً من الاقتصاد الأوروبي.. ولهذا فإن الدول الأوروبية لا تستطيع عملياً أن تفصل بين أمن الخليج وأمن أوروبا، ولا بين استقرار اليمن وأمن الملاحة الدولية.
وهنا رمزية لابد من الاشارة لها، قد تستطيع سياسياً أن تفعل ذلك لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك عندما تصبح النتائج ملموسة، وهذا السبب الرئيسي لتحول المواقف الاوروبية الغربية والتي لابد من العمل على استغلال تقاطعاتها مع المصالح اليمنية والخليجية والعربية.
وهنا إشارة شخصية لابد من التوقف عندها، فعندما كنت ألتقي ببعض الباحثين والدبلوماسيين والإعلاميين في أوروبا، كانوا دائماً يحاولون الدفاع عن إيران وتوجيه الاتهامات إلى الحكومة الشرعية وإلى السعودية على وجه الخصوص، لكنني عندما التقيت أحدهم مؤخراً، سألته: ما هي قراءتك للمشهد اليوم؟
أجابني باختصار سياسي ورمزي شديد الدلالة: إذا سقط النظام الإيراني وانتهت ميليشياته في المنطقة، فلن أذرف دمعة واحدة من عيني”.
فقلت له: إذن، نحن الآن متفقان.
لا تعني هذه القراءة أن هولندا غيرت سياستها بالكامل، أو أن أوروبا تخلت عن مقاربات الاستغلال الدبلوماسي أو الاعتبارات الإنسانية، أو أن جميع الدول الأوروبية أصبحت تنظر إلى إيران بالطريقة نفسها، لكنها تكشف شيئاً أكثر أهمية، أن الحسابات الأوروبية تتغير عندما تصبح تكلفة تجاهل التهديد أكبر من تكلفة مواجهته.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن تفهمه الدول العربية جيداً، لا يكفي أن تقول الدول العربية لأوروبا إن إيران تهدد أمن المنطقة، الأكثر تأثيراً هو أن توضح أن المشروع الإيراني يهدد أيضاً المصالح الأوروبية نفسها، ولا يكفي القول إن الحوثيين يهددون اليمن، بل يجب توضيح أنهم يهددون باب المندب ومصالحكم في المنطقة.
ولا يكفي القول إن باب المندب ممر مائي عربي، بل يجب تذكير أوروبا والعالم بأنه أحد الطرق التي تمر عبرها التجارة الدولية، وأن أي اضطراب فيه ينعكس على الاقتصاد الأوروبي، ولا يكفي القول إن إيران تدعم ميليشيات في المنطقة، بل يجب أن تُقرأ هذه الميليشيات باعتبارها أدوات ضمن منظومة واحدة تستطيع في لحظة معينة الانتقال من الصراع والفوضى المحلية إلى تهديد الأمن الإقليمي والدولي.
الخلاصة: عندما تصل الفوضى إلى المصالح الأوروبية تتحول المواقف وتصبح السياسات أقرب لتقاطع مصالح اليمن والسعودية والمنطقة، وعندما تتجاوزها تصبح مسارات التسويات والتصريحات الفارغة مجالاً لأحاديث اللقاءات الدبلوماسية والاعلامية.
وبين اللحظتين يمكن قراءة تحول مهم في العقلية الأوروبية، لسنوات من التعامل مع كثير من أزمات المنطقة من خلال عناوين مثل الحوار، حقوق الإنسان، العملية السياسية، المساعدات الإنسانية، وخفض التصعيد، لكن عندما وصلت الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى السفن والمطارات والممرات البحرية، بدأت لغة أخرى في الظهور: الأمن، العقوبات، الإرهاب، الملاحة، المصالح، والشراكات.
وهنا لا تكمن القضية في أن أوروبا كانت مخطئة دائماً، أو أن الدول العربية كانت محقة دائماً، القضية أعمق من ذلك، إنها تتعلق بكيفية قراءة الدول للأزمات، فعندما لا تصل الفوضى إلى مصالحها المباشرة، تستطيع أوروبا أن تنظر إليها باعتبارها أزمة سياسية أو إنسانية تحتاج إلى التفاوض، أما عندما تصل الفوضى إلى سفنها وتجارتها وطاقة شعوبها وأمن شركائها، فإنها تبدأ في النظر إليها باعتبارها قضية أمنية واستراتيجية.
ولعل أهم ما تقوله التجربة الهولندية اليوم -كنموذج غربي- هو أن أمن الخليج وباب المندب والبحر الأحمر لم يعد شأناً إقليمياً بعيداً عن أوروبا، إنه كواقع جزء من الأمن الأوروبي نفسه.



