المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / من هرمز إلى باب المندب: ما هي خيارات الشرعية في اليمن!

من هرمز إلى باب المندب: ما هي خيارات الشرعية في اليمن!

من هرمز إلى باب المندب: ما هي خيارات الشرعية في اليمن!

د.ابوبكر باذيب

مدير المركز الاوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية -هولندا

فرضت التطورات المتسارعة في اليمن سيما التقدم الاستراتيجي لجماعة الحوثي نحو مناطق على الساحل الغربي المحاذية للاطلالة الكاملة والمسيطرة على باب المندب، حضورها بقوة على المشهد الإعلامي والسياسي والاستراتيجي الدولي، ليس فقط بسبب تأثيرها المباشر على الجغرافيا اليمنية والإقليمية، وإنما لارتباطها الجيوسياسي بحركة الملاحة الدولية والمصالح الاستراتيجية لقوى إقليمية ودولية واسعة.

وقد جعل ذلك أخبار اليمن تتصدر مساحة متزايدة من التغطية الدولية، بالتوازي مع متابعة تداعياتها وتقاطعاتها مع التطورات الإيرانية والحرب الدائرة حول مضيق هرمز بين الولايات المتحدة وإيران. 

وفي خضم هذا التصعيد، حاول الحوثيون إرسال رسائل تطمينية إلى الدول الاقليمية من خلال تواصلها مع القاهرة، وسبق ذلك تواصلها مع الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وكأنهم يقولون إنهم قادرون على حماية مصالح العالم وتأمين حركة الملاحة، لكن في المقابل يريدون من هذا العالم أن يعترف بهم كقوة أمر واقع وشريك لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بأمن البحر الأحمر وباب المندب. 

وهنا تتحول الرسالة الحوثية من مجرد خطاب سياسي إلى محاولة لتوظيف الموقع الجغرافي والقدرة العسكرية على الملاحة الدولية باعتبارهما أداة لانتزاع الاعتراف السياسي والشرعية التفاوضية.

بيد ان هذا التطور يدفعنا لتقديم سردية بانورامية، للمشهد في الشرق الاوسط خلال الأشهر الماضية، لاعتبارات تتصل بالسياق الذي مكَن الجماعة الحوثية من تدعيم ادوات ايران السياسية والعسكرية، وبالرغم من أن المسار الدولي والإقليمي اتجه بصورة متزايدة نحو تقليص النفوذ الإيراني والقضاء على شبكة الميليشيات والحلفاء التي بنتها طهران في المنطقة على مدى عقود؛ من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وصولًا إلى نقل المواجهة إلى داخل إيران نفسها، في ظل الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت طهران ومنشآتها وقدراتها العسكرية.

الا ان الجغرافيا اليمنية فرضت حضورا اختلف عن الحصار الضارب على هذه المليشيات في المنطقة، حيث كان الاتجاه العام لهذا المسار يوحي بأن إيران تدخل مرحلة انحسار استراتيجي، وأن مشروعها القائم على بناء أذرع مسلحة ممتدة خارج حدودها أصبح أمام اختبار وجودي، غير أن المفارقة الأبرز في هذا المشهد أن الاختراق الاستراتيجي الوحيد الذي استطاعت إيران تحقيقه خلال هذه المرحلة لم يكن في إحدى العواصم التي شكلت تاريخيًا عمق مشروعها الإقليمي، وإنما في اليمن.

فالتقدم السريع لجماعة الحوثي نحو الساحل الغربي وباب المندب، وصولًا إلى السيطرة على المخا ومواقع بحرية ذات أهمية استراتيجية، منح طهران عبر أحد أهم حلفائها الإقليميين، فرصة لإعادة بناء جزء من قدرتها على التأثير في البيئة الجيوسياسية للمنطقة.

وتكمن أهمية هذا التطور في أن الحوثيين لم يعودوا مجرد قوة مسلحة تخوض حربًا داخلية على الأراضي اليمنية، بل باتوا يقتربون من موقع جغرافي يتيح لهم تهديد أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. 

وإذا استطاعت الجماعة تثبيت وجودها على الساحل الغربي وتعزيز قدرتها العسكرية في محيط باب المندب، فإن طهران ستكون قد حققت مكسبًا يتجاوز حدود اليمن، إذ ستصبح قادرة على ممارسة ضغط غير مباشر على حركة التجارة والطاقة العالمية من خلال حليف يمتلك القدرة على استهداف السفن ورفع تكلفة الملاحة وتعطيلها.

وهنا تظهر الأهمية الاستراتيجية الأوسع لهذا المستجد، في الوقت الذي تضغط فيه إيران على مضيق هرمز، بات حليفها الحوثي يمتلك قدرة متنامية على الضغط من الجهة الأخرى على باب المندب، والمضيقان ليسا مجرد ممرين بحريين منفصلين؛ فهما يشكلان بوابتين متقابلتين لجغرافيا الطاقة والتجارة المحيطة بشبه الجزيرة العربية والعالم.

وإذا نجحت طهران -كما هو واقع الان- في إبقاء هرمز تحت التهديد، بينما يظل باب المندب معرضًا للخطر الحوثي، فإن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيقين فعليًا؛ يكفي أن تجعل المرور عبرهما أكثر خطورة وكلفة وأقل قابلية للتنبؤ، وهذا تحديدًا ما يجعل التطور الحوثي الحالي مختلفًا عن جولات الحرب السابقة.

فقد كان النفوذ الإيراني في اليمن يُنظر إليه لسنوات باعتباره ورقة ضغط على السعودية وأداة لاستنزافها على حدودها الجنوبية، أما اليوم فإن الجغرافيا التي وصل إليها الحوثيون تمنح هذه الورقة قيمة دولية أكبر، فالقدرة على التأثير في واحد من أهم الاختناقات البحرية في النظام التجاري العالمي، وفي أحد المسارات البديلة التي يمكن للسعودية ودول الخليج اللجوء إليها عند تعرض الملاحة في الخليج ومضيق هرمز للخطر، يمنح ايران حضور يفوق قدرة الاخرين على تجاوزه مالم تتغير قواعد الانتشار الجيوسياسي في الجغرافيا اليمنية المطلة على الساحل الممتد بطول محافظة الحديدة اليمنية وصولاً الى باب المندب والجزر المطله عليه.

وبذلك، فإن ما يبدو للوهلة الأولى تقدمًا عسكريًا حوثيًا في حرب يمنية متجددة قد يكون في جوهره تطورًا جيوسياسيًا أوسع، إذ يعيد وضع اليمن في قلب معادلة الأمن البحري والطاقة، ويمنح إيران فرصة لاستعادة قدر من النفوذ الاستراتيجي في لحظة تتعرض فيها شبكتها الإقليمية لضغوط كبيرة. 

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد هل استطاع الحوثيون تحقيق تقدم ميداني في اليمن؟ وإنما هل نجحت إيران عبر الحوثيين في تحويل الساحل اليمني وباب المندب إلى جبهة استراتيجية جديدة تعوض جزئيًا عن تراجع نفوذها في ساحات أخرى، وتمنحها قدرة على الضغط المتزامن على هرمز وباب المندب؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تجاوز القراءة العسكرية المباشرة للتطورات اليمنية، والنظر إليهاضمن شبكة أوسع من التحولات التي تشمل إيران والسعودية والولايات المتحدة وأمن الطاقة والملاحة الدولية، فضلًا عن مستقبل الصراع اليمني نفسه.

فالمعركة على الساحل الغربي لليمن لم تعد في ضوء هذه التطورات معركة على مدينة أو شريط ساحلي فحسب، وإنما أصبحت جزءًا من صراع أوسع على من يمتلك القدرة على التحكم في جغرافيا الممرات البحرية، ومن يستطيع تحويل هذه الجغرافيا إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي في النظام الإقليمي والدولي.

وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية في الوقت الذي تتعرض فيه إيران لضغوط عسكرية وسياسية متزايدة في ساحات أخرى، يحقق أحد أبرز حلفائها تقدمًا جغرافيًا يمنح طهران ورقة ضغط جديدة على الاقتصاد العالمي.

ما الخيارات المتاحة أمام الشرعية لاستعادة المخا؟

يدفعنا التمهيد السابق الى تقدير الخيارات التي مازلت امام الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، حيث تعددت خلال الأيام الماضية الروايات والتفسيرات لما حدث في الساحل الغربي، وتوزعت بين حديث عن خيانة واختراقات واتصالات سبقت السقوط، وبين من يفسر ما حدث باعتباره نتيجة لأخطاء عملياتية وتعدد مراكز القرار، أو ضعف في الإسناد والدعم للجبهات، بينما يذهب آخرون إلى أن المشكلة كانت أعمق من ذلك كله.

وفي تقديري، قد يكون من المبكر اختزال ما حدث في رواية واحدة، فربما اجتمعت عوامل سياسية وعملياتية وعسكرية واتصالية في إنتاج هذه النتيجة، لكن السؤال الأكثر أهمية الآن ليس فقط كيف سقطت المخا؟ وإنما ما الخيارات المتاحة أمام الحكومة الشرعية إذا أرادت استعادة زمام المبادرة؟

عمليًا، لا تبدو استعادة المخا مجرد قرار عسكري يمكن اتخاذه وإطلاق معركة جديدة، لأن أي محاولة لإعادة الهجوم بالتركيبة نفسها، وبالأخطاء نفسها، قد تقود إلى نتيجة أكثر كلفة، ولذلك فإن الأولوية الأولى يجب أن تكون إعادة بناء القدرة على اتخاذ القرار العسكري والسياسي بصورة موحدة، وتحديد ما إذا كانت استعادة المخا أولوية فورية أم جزءًا من تصور أوسع لإعادة ترتيب الجبهات.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية، من هي القوات التي تستطيع الحكومة الشرعية أن تبني عليها معركة جديدة؟ هل هي قوات المقاومة الوطنية التي كانت تتبع طارق صالح عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، بالصيغة التي كانت موجودة بها قبل الأحداث الأخيرة، فقد تعرضت لتفكك كبير، وربما انتهت، ولم تعد تبدو كقوة واحدةمتماسكة يمكن التعامل معها باعتبارها رأس الحربة في معركة جديدة، وفي الغالب فقد اعادت تموضعها واتجه افرادها نحو تعز أو مأرب أو عادت للقتال في صفوف الحوثيين، وبعضها قد ينسحب من المشهد العسكري أصلًا.

في المقابل، لا تزال هناك قوات جنوبية مثل “العمالقة؛ و”درع الوطن” قادرة من حيث العدد والخبرة والقدرة القتالية على إعادة تنظيم صفوفها، لكن المشكلة أن هذه القوات تعاني أزمة ثقة متراكمة مع أي قوات عسكرية تتبع الحكومة أو قوات ينتمي أفرادها إلى جغرافيا الشمال اليمني، وهو ما يعقّد عملية إعادة تجميعها وإدخالها في معركة جديدة، فضلًا عن أن ذلك يتطلب ترتيبات سياسية وعسكرية دقيقة.

وهناك أيضًا قوات الجيش المرتبطة بجبهات تعز ومأرب، وهي جبهات أثبتت خلال السنوات الماضية أنها من أكثر الجبهات صمودًا أمام الحوثيين، لكن جزءًا مهمًا من هذه القوات يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بحزب الإصلاح الاسلامي أو بقيادات عسكرية أو رموز قبلية محسوبة عليه.

وهنا تبرز معضلة أخرى أكثر تعقيدًا: هل يمكن جمع القوات الجنوبية والقوات المحسوبة على الإصلاح في غرفة عمليات واحدة، وتحت قيادة واحدة، وفي معركة واحدة؟

السؤال ليس نظريًا؛ فسنوات الحرب أنتجت قدرًا كبيرًا من انعدام الثقة بين هذه المكونات وبعض التشكيلات قد تدخل المعركة وهي تحمل هواجسها من الطرف الآخر أكثر مما تحمل ثقة به، وهذا يكشف أيضًا عن وجود شكوك متبادلة بين بعض القوات الجنوبية والقوات الأخرى أثناء المعارك الأخيرة، فإن صحّ ذلك، فإنه يكشف حجم المشكلة التي يجب معالجتها قبل التفكير في أي هجوم جديد.

وهذا يعني أن أمام الشرعية عدة خيارات إما إعادة بناء قوة عسكرية موحدة قادرة على استيعاب التشكيلات الموجودة، والوقت لا يسمح بذلك اليوم، أو توزيع الأدوار بين هذه القوات بحيث لا تُجبر مكونات متصارعة أو فاقدة للثقة على القتال جنبًا إلى جنب، أو بناء قيادة عمليات مشتركة تتجاوز الانقسامات الحزبية والمناطقية، وتحدد بوضوح من يقود ومن يقاتل ومن يوفر الإسناد.

وفي كل الأحوال، فإن الخطأ الأكبر سيكون محاولة استنساخ المعركة السابقة بالأدوات نفسها، ثم انتظار نتيجة مختلفة.

فالحكومة الشرعية اليمنية أمام اختبار مزدوج استعادة المخا من جهة، ومنع انهيار بقية الجبهات من جهة أخرى، وإذا كانت جبهتا مأرب وتعز من أهم خطوط الصمود في مواجهة الحوثيين خلال السنوات الماضية، فإن سحب قواتهما بصورة عشوائية نحو الساحل الغربي قد يخلق فراغًا في جبهات أخرى لا يقل خطورة عن خسارة المخا نفسها.

ومن هنا تصبح المسألة مسألة أولويات استراتيجية هل تبدأ الشرعية بمعركة استعادة المخا، أم تبدأ أولًا بإعادة تنظيم منظومة قواتها، وترميم الثقة بين مكوناتها، وتحديد وظيفة كل جبهة، ثم تختار التوقيت المناسب لاستعادة الساحل؟

ربما يكون الخيار الأكثر عقلانية هو ألّا تُدار المعركة المقبلة باعتبارها معركة طارق، أو معركة الجنوب، أو معركة الإصلاح، وإنما باعتبارها معركة الدولة اليمنية لاستعادة أرضها، وهذا على ما يبدو، واقعٌ يصعب تحقيقه في ظل تقاطع المصالح، وتضارب الأولويات، وتراكم الخلافات.

وهذا يتطلب قبل كل شيء الإجابة عن سؤال جوهري: هل تستطيع الشرعية أن تصنع قيادة عسكرية وسياسية تتجاوز الانقسامات التي أوصلتها إلى هذه اللحظة؟

فإذا لم تُجب عن هذا السؤال، فإن استعادة المخا قد تتحول من هدف عسكري إلى مجرد محاولة أخرى لإدارة الأزمة، وربما إعادة إنتاج الأخطاء التي أدت إلى سقوطها.

من حرب اليمن إلى جغرافيا الممرات البحرية

تكمن أهمية التطور الأخير في أنه ينقل الحوثيين من موقع الفاعل القادر على مهاجمة الملاحة إلى موقع أقرب إلى الفاعل القادر على التحكم في بيئة الملاحة ورفع كلفة المرور فيها، وهذا فارق استراتيجي مهم.

فالسيطرة الكاملة على باب المندب ليست شرطًا حتى يصبح الحوثيون قادرين على التأثير في حركة السفن، يكفي أن تصبح المنطقة عالية المخاطر بحيث تضطر شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، أو ترفع شركات التأمين أقساطها، أو تتجه السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، وقد أثبتت التجربة السابقة أن التهديد الحوثي وحده قادر على إحداث اضطراب واسع في حركة الملاحة في البحر الأحمر.

وبالتالي، فإن القيمة الاستراتيجية للسيطرة الحوثية على الساحل لا تكمن فقط في امتلاك مواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما في تحويل الجغرافيا اليمنية إلى أداة ضغط على الاقتصاد الدولي، ورافعة تعمل وقت الضرورة لصالح ايران، دون تحقيق اي مصالح أو حضور لليمن كدولة واقتصاد وبشر.

وقد ازدادت أهمية باب المندب بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وكان مساراً ساهم في تخفيف الضغط الذي مارسته ايران على هرمز، فالسعودية التي وجدت نفسها أمام تهديد لصادراتها عبر الخليج اعتمدت بصورة أكبر على نقل النفط عبر الأراضي السعودية إلى موانئ البحر الأحمر باعتبارها أحد البدائل الجغرافية لمضيق هرمز، ولذلك فإن تهديد باب المندب لا يمثل مشكلة منفصلة عن أزمة هرمز، بل يضرب أحد البدائل التي يمكن أن تستخدمها الرياض لتجاوز إغلاق أو اضطراب المسارات البديلة والطارئة.

خصوصا إذا ما قرأنا المؤشرات الأولية للرسائل التي حاول الحوثيون إيصالها، والتي تتمثل في التأكيد بأنهم قادرون على حماية هذا الممر المائي وضمان استمرار الملاحة فيه لصالح امريكا والغرب، مقابل التهديد باستخدام قدرتهم على التأثير في حركة الملاحة لفرض حصار على الصادرات والموانئ السعودية، وهنا تتجلى المصالح التي تعمل ضد اليمن والسعودية والاقليم.

ويمثل هذا تحولًا استراتيجيًا محتملًا قد يدفع المجتمع الدولي إلى تجنب الدخول في مواجهة مباشرة أو ممارسة ضغوط عسكرية أو سياسية على الحوثيين، وبدلًا من ذلك ترك السعودية أمام مسؤولية التعامل مع التهديد وحماية مصالحها وأمنها البحري والاقتصادي بنفسها. 

وإذا ترسخ هذا التصور فقد يتحول الحوثيون تدريجيًا من طرف يُنظر إليه باعتباره مصدرًا لتهديد الملاحة الدولية إلى طرف يسعى إلى تقديم نفسه كقوة أمر واقع لا يمكن تجاوزها في ترتيبات أمن البحر الأحمر وباب المندب، ومن هنا تظهر المعادلة الأكثر خطورة، والتي تقلص مساحة المناورة الاستراتيجية أمام السعودية باجتماع التهديدين في اللحظة نفسها.

الانتصار الإيراني غير المباشر

من الخطأ بطبيعة الحال، القول إن إيران أصبحت تسيطر مباشرة على باب المندب، فالواقع أكثر تعقيدًا، لكن الأهم من السيطرة المباشرة هو أن طهران باتت تمتلك عبر حليف محلي مسلح وبإشراف خبراء وضباط الحرس الثوري الايراني، قدرة على التأثير في أمن المضيق دون الحاجة إلى نشر قوات إيرانية مباشرة فيه، وهذا تحديدًا هو جوهر نموذج النفوذ الإيراني الذي اعتمد على الوكلاء والحلفاء المحليين.

فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى إدارة باب المندب بصورة مباشرة يكفي أن يمتلك حليفها الحوثي القدرة على تهديد السفن، وتعطيل حركة الملاحة، واستهداف البنية التحتية المرتبطة بالطاقة، ورفع تكلفة المرور في البحر الأحمر، وقد أشارت تحليلات حديثة إلى أن تقدم الحوثيين على الساحل الجنوبي الغربي لليمن يتوافق مع هدف إيراني أوسع يتمثل في زيادة الضغط على الملاحة والطاقة، وورقة تفاوض تخلط أوراق الحسابات في الصراع الامريكي الايراني.

وهنا يمكن فهم أهمية الدعم الإيراني للحوثيين على مدى سنوات، فالجماعة لم تكن بالنسبة إلى طهران مجرد ورقة في الحرب اليمنية؛ بل مثلت استثمارًا جيوسياسيًا طويل الأمد في منطقة تقع بالقرب من أحد أهم الاختناقات البحرية العالمية، وهذا اليوم الذي انتظرت في ايران لتجني ثمار هذا الاستثمار والتحالف.

السعودية أمام معضلة استراتيجية

ربما تكون السعودية الطرف الأكثر تعرضًا لنتائج هذا التحول، فالمملكة لا تواجه فقط جماعة مسلحة على حدودها الجنوبية، وإنما تواجه الآن احتمال تحول الساحل اليمني الغربي إلى منطقة ضغط استراتيجية على اقتصادها وأمنها البحري وصادراتها النفطية.

وقد جاء التطور الأخير ضمن مستجدات تعرض فيه خط الأنابيب السعودي شرق–غرب لهجوم بطائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية، ما أدى إلى إغلاقه مؤقتًا كإجراء احترازي، وتكتسب هذه الحادثة أهميتها من أن الخط يمثل أحد البدائل الرئيسية أمام السعودية لتجاوز الازمة المرتبطة بمضيق هرمز.

وبذلك، تبدو الصورة الاستراتيجية أكثر وضوحًا، ضغط على مسار النفط شرقًا من هرمز، وضغط على مسار تصديره غربًا بتهديد مليشيا العراق، وتهديد للممر البحري في المندب بوصول الحوثيين اليه، وبذلك تكون قد رفعت ايران تكلفة حرب خسرت فيها الكثير.

وهذه هي النقطة التي تجعل التطور الحوثي مختلفًا عن جولات الحرب السابقة، ففي الماضي، كان الحوثيون يهددون السعودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة ويستنزفون قدراتها الدفاعية أما اليوم، فإن التقدم الساحلي يضيف بعدًا جيوسياسيًا جديدًا من خلال القدرة على التأثير في طرق تصدير الطاقة نفسها.

لماذا انهارت الحكومة الشرعية؟

لا يمكن تفسير التقدم الحوثي السريع بالقوة العسكرية وحدها، فالمعطيات الميدانية تشير إلى أن عددًا من المواقع سقط دون اشتباكات، وأن الانسحابات التي وصفتها الحكومة المعترف بها دولية “تكتيكية” وإعادة تموضع، تحولت عمليًا إلى تراجع متسارع أدى إلى تفكك خطوط الدفاع، كما ساهمت حالة الارتباك والإشاعات التي روج لها الحوثيون في خلق بيئة نفسية دفعت بعض الوحدات إلى الانسحاب قبل الدخول في مواجهة فعلية، وهو ما سمح للحوثيين باستثمار الانهيار بسرعة وتوسيع مكاسبهم الميدانية.

ويمكن تلخيص أبرز أسباب الانهيار في تعدد القوى والتشكيلات المناهضة للحوثيين وغياب القيادة العملياتية الموحدة، فقد عملت هذه القوات تحت مسميات وتوجهات مختلفة، من القوات الحكومية إلى المقاومة الوطنية والقوى المحلية، من دون وجود غرفة عمليات واحدة قادرة على إدارة المعركة بصورة متكاملة، كما ذكرنا هذا سابقاً.

ويضاف إلى ذلك ما تشير إليه المعطيات من اختراق لمنظومة الاتصالات، بما أتاح للحوثيين الاطلاع على تحركات وخطط ميدانية حساسة، كما أن وجود عناصر وقوات مرتبطة جغرافيًا بمناطق الحوثيين داخل بعض التشكيلات الحكومية لهم خلق وفق هذه الروايات ثغرات أمنية واستخباراتية ساهمت في إضعاف القرار العسكري وزيادة احتمالات الاختراق والخيانة داخل بعض الوحدات.

أما العامل الرابع فيتمثل في غياب الغطاء الجوي والتنسيق العملياتي بين القوات البرية الغطاء الجوي، فقد تحركت وحدات ميدانية دون حماية جوية كافية أو منظومة استطلاع ودعم قادرة على تأمين تقدمها ومنع الحوثيين من استغلال الثغرات. 

وعندما اجتمعت هذه العوامل من تعدد القيادات، واختراق الاتصالات، والثغرات الأمنية داخل بعض التشكيلات، وغياب الإسناد الجوي، إلى جانب الحرب النفسية والإشاعات، تحولت المعركة من تراجع موضعي إلى انهيار متسلسل، ولذلك فإن سرعة سقوط المناطق لا تعكس بالضرورة تفوقًا حوثيًا عسكريًا حاسمًا بقدر ما تكشف هشاشة البنية العملياتية للجبهة الحكومية وفشلها في تحويل تعدد القوى إلى منظومة دفاعية موحدة وقادرة على الصمود.

خيارات الرياض

المعضلة السعودية الحالية تبدو شديدة التعقيد، فالعودة إلى حرب واسعة بهدف استعادة الساحل الغربي قد تمنح الرياض فرصة لتغيير ميزان القوة، لكنها في الوقت نفسه تحمل خطر إعادة إنتاج الحرب اليمنية التي استمرت سنوات دون تحقيق حسم عسكري حقيقي.

أما القبول بتثبيت الوضع الجديد، فقد يؤدي إلى تحول سيطرة الحوثيين على الساحل إلى أمر واقع يصعب تغييره مستقبلًا، ولهذا فإن الرياض أمام تقاطع لخيارات ومحددات ليس من السهل اتخاد قرار بشأنها: إما التصعيد العسكري يحمل كلفة مرتفعة، واما التفاوض قد يمنح الحوثيين مكاسب استراتيجية، أو عدم التحرك قد يؤدي إلى ترسيخ الواقع الجديد.

وتزداد صعوبة هذه الخيارات بسبب الموقف الأمريكي، فواشنطن وفق ما جاء على لسان الرئيس ت

رامب رفضت حتى الآن الانخراط المباشر في حملة جديدة ضد الحوثيين، بل إن الرئيس الأمريكي، في معرض تعليقه على التطورات الأخيرة، أشار إلى أن الحوثيين تواصلوا مع الجانب الأمريكي وأبلغوه بأنهم لا يريدون خوض حرب مع الولايات المتحدة، وأنهم حريصون علىحماية المصالح الأمريكية.

وتحمل هذه الرسالة في سياقها السياسي والاستراتيجي دلالة تتجاوز مجرد محاولة التهدئة؛ إذ يبدو أن الحوثيين يسعون إلى تقديم أنفسهم للولايات المتحدة والمجتمع الدوليباعتبارهم قوة قادرة على ضبط أمن الملاحة وحماية المصالح الدولية، في مقابل تكريس حضورهم كطرف أمر واقع لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تخص اليمن والبحر الأحمر وباب المندب.

وهنا تظهر إحدى أهم نتائج الأزمة أن السعودية لا تواجه فقط تحدي الحوثيين، بل تواجه أيضًا اختبارًا لمدى قابلية المظلة الأمنية الأمريكية للعمل في عدة جبهات في وقت واحد.

من اليمن إلى أمن النظام الدولي

الأهمية الحقيقية للتطور ليست محصورة في السعودية أو اليمن، فاضطراب باب المندب ينعكس مباشرة على قناة السويس وسلاسل الإمداد العالمية، وقد أظهرت تجربة الهجمات الحوثية السابقة أن تراجع حركة السفن في البحر الأحمر يمكن أن يؤدي إلى تحويل السفن إلى مسار رأس الرجاء الصالح، بما يعنيه ذلك من زيادة في المسافة والوقود والتأمين ومدة وصول البضائع.

وهكذا يصبح الحوثيون، نتيجة لموقعهم الجغرافي وقدراتهم العسكرية، قادرين على تحويل صراع محلي إلى عامل ضغط على الاقتصاد العالمي، وهنا تحديدًا تظهر القيمة الجيوسياسية للورقة الحوثية بالنسبة إلى إيران.

التطور الأخطر في المشهد الحالي ليس مجرد تقدم الحوثيين داخل الأراضي اليمنية، وإنما انتقالهم من قوة برية متمركزة في شمال اليمن إلى قوة تقترب من امتلاك تأثير جيوسياسي مباشر في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

وبذلك تكون إيران قد حققت، عبر حليفها اليمني، مكسبًا استراتيجيًا في لحظة تتعرض فيها بقية منظومة نفوذها الإقليمية لضغوط غير مسبوقة.

وفي المقابل، فإن مستقبل هذا المكسب لن يتحدد بالسيطرة الحوثية على المخا أو ميون وحدهما، وإنما بقدرة الحوثيين على تحويل السيطرة الجغرافية إلى قدرة مستدامة على تعطيل الملاحة، وبقدرة السعودية وحلفائها على إعادة بناء جبهة عسكرية وسياسية متماسكة، وبمدى استعداد الولايات المتحدة لتحمل تكلفة حماية النظام البحري في البحر الأحمر والخليج في الوقت نفسه.

والخلاصة الأهم أن معركة باب المندب لم تعد معركة على مدينة يمنية أو شريط ساحلي، إنها معركة على من يمتلك القدرة على التأثير في حركة الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، ومن يملك القدرة على استخدام الجغرافيا البحرية كأداة في الصراع الدولي.

وإذا استمر الوضع الحالي، فإن الخطر الأكبر لا يتمثل في أن يغلق الحوثيون باب المندب غدًا، بل في أن يصبح باب المندب مضيقًا مفتوحًا من الناحية القانونية، لكنه مقيد عمليًا بالخوف والمخاطر والتكلفة.

وهنا تكون إيران قد حققت واحدًا من أكثر أهدافها الجيوسياسية أهمية امتلاك القدرة على الضغط على طرفي شبه الجزيرة العربية، من هرمز شرقًا إلى باب المندب جنوبًا، من خلال مزيج من القوة المباشرة والوكلاء الإقليميين.

وهذا تحديدًا ما يجعل التطور اليمني الحالي أكبر من مجرد جولة جديدة في الحرب اليمنية؛ إنه اختبار جديد لموازين القوة في الشرق الأوسط ولقدرة النظام الدولي على حماية الممرات البحرية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *