المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / ريادة الأعمال في المهجر: هل اطارد سراباً؟!

ريادة الأعمال في المهجر: هل اطارد سراباً؟!

ريادة الأعمال في المهجر: هل اطارد سراباً؟!

معتز عوف*                                                                                                                           

نشرت المادة ضمن التقرير السنوي الأول للمركز الأوروبي لقياس الرأي-هولندا

تحميل التقرير بصيغة pdf

تشير الأرقام[1] عبر قطاعات الأعمال المختلفة إلى أن 50 – 70% من الشركات الناشئة تفشل خلال الأعوام الثلاثة الأولى، وأن هذه النسبة قد تصل إلى 90% خلال السنوات الخمس الأولى. أي أنه على المدى الطويل، ينجح حوالي عشرة من بين كل مئة رائد أعمال في الاستمرار.

ويضيف موقع “ستاتيستا” المتخصص[2] في معرض بحثه في الاسباب الاكثر شيوعاً للفشل، أن السبب الأكبر وبنسبة تصل إلى 42% هو عدم توافق المنتج أو الخدمة المقدمة مع حاجة السوق، يليه بنسبة 29% عدم توفر التمويل الكافي أو سوء إدارة الأموال القليلة المتوفرة. أما في المقام الثالث وبنسبة 23% فيأتي عدم انتقاء الفريق المناسب، طبعاً يلي ذلك عدم القدرة على مواجهة المنافسين، ومشاكل التسعير والتسويق السيئ وإلى آخر الأسباب.

لكن من الضروري التوقف عند نقطة أساسية عند قراءة هذه الدراسات؛ فهي تناقش أسباب الفشل من منظور الباحث الغربي وبالاستناد إلى تجربة رواد الأعمال المحليين بصورة عامة، من دون تمييز يُذكر للشركات التي يؤسسها مهاجرون أو لاجئون قادمون من ثقافات وأنماط إنتاج واستهلاك تختلف جذريًا عن السوق الغربية.

على المقلب الآخر ستجد أن معظم المقالات المتصلة بنجاح رواد الأعمال تتحدث عن بيل غيتس وجيف بيزوس ومارك زوكربيرغ كنماذج النجاح التي بدأت من كراجات بيوتهم، فإذا كانوا يستطيعون فأنت تستطيع! الى غيرها من الخطابات التحفيزية المعتادة التي تشجعك على ترك عملك والسعي خلف حلمي الاستقلال المالي والثراء، وغالبًا ما تُختتم هذه المقالات بدعوة مباشرة للالتحاق بدورات كاتب المقال المدفوعة، والتي تُقدَّم على أنها وصفة جاهزة للنجاح!

نعم، بيل غيتس وجيف بيزوس عملوا واجتهدوا، ولكن المشكلة أنهم ينسون إخبارك أن بيل غيتس يأتي من عائلة غنية ذات علاقات سياسية واقتصادية واسعة، وأن والدته كانت عضوة في مجلس إدارة بنك وطني وجامعة، وان جيف بيزوس حصل على ثلاثمائة ألف دولار من والديه ليبدأ مشروعه بعد ان علموه في جامعة برينستون احدى أغلى جامعات الولايات المتحدة، وهو ما ينطبق على مارك زوكربيرغ كذلك.

أي إن الثلاثة كانوا يمتلكون المال، والعلاقات، والتعليم العالي ضمن دائرة أبناء الاغنياء والمتنفذين، وطبعاً الوصول الأسهل للتمويل. هم ليسوا مثلك! هم بدأوا من فوق الصفر، بينما يبدأ رائد الأعمال المهاجر من تحت الصفر بكثير.

خلال تقديمي لورشة عمل عن ريادة الاعمال في هولندا، لفت نظري مشارك “أقمر ليله” كما يقول العرب (أي شاب شعره من طول السنين). فسألته عن عمله السابق والمشروع الذي يود البدء به في هولندا، فقال لي أن لديه خبرة لا تقل عن عشرين عاماً في حدادة الابواب المزخرفة الفاخرة، وإنه قد أمضى عمره في هذه المهنة المزدهرة في سوريا وتركيا، وأنه يود أن يفتتح منشأته أو ورشته الخاصة لصناعة هذه الابواب في هولندا.

سألته: كم عام مضى عليك في هولندا؟ فأجاب: عام واحد. فأكملت: خلال هذا العام كم بابًا من هذا النوع رأيت هنا؟ سكت قليلاً، حاول أن يتذكر، ثم أجاب: ولا واحد.

وكوني أحب التعليم التفاعلي، أكملت: حسناً، لديك الخبرة، وهذا ممتاز، فالخبرة هي قلب العمل، لكن هل لديك شبكة علاقات تساعدك عن ترويج منتجك في هولندا؟ فأجاب لا. هل لديك معرفة بالسوق الهولندية من حيث حجم الطلب على هذا المنتج، والمنافسين، أو الاسعار؟ فأجاب لا.

توجهت هنا للجميع وأضفت: حتى ولو كانت نيتك استهداف الأسواق الخارجية بهذا المنتج، فأنت اخترت مكان تصنيع مرتفع الضرائب، وتكاليف المواد الأولية، والطاقة، وأجور العمال، أي إنك اخترت منتجًا لا يوجد له طلب داخلي، ولا يستطيع المنافسة في أسواقه التقليدية بسبب ارتفاع سعره.

وختمت: إذن لديك منتج لا يماثل الطلب عليه في هولندا الطلب عليه في سوريا مثلاً، ليس لديك شبكة علاقات تدعم وصولك إلى عملاء محتملين، ولا معرفة بالسوق الهولندية، وأخيراً لا تستطيع المنافسة به خارجياً، وهي الوصفة المثالية لعدم نجاح أي مشروع.

وهنا لا تكمن المشكلة في المهارة أو الاجتهاد، بل في سوء قراءة السوق، وهو خطأ يتكرر يوميًا بين رواد الأعمال المهاجرين.

ريادة الأعمال في هولندا: صورة عامة من منظور مختلف

قبل البدء في كتابة هذا المقال، قرأت، كما تقتضيه الحاجة، المقالات المكتوبة[3] عن ريادة الأعمال في هولندا، ولكني لاحظت أن معظمها يبدأ من الزاوية ذاتها، متناولاً مدى إبداع النظام الاقتصادي الهولندي وتطوره، والبنية التحتية الرقمية المتينة، وسهولة الأعمال، وتوفر عمالة مؤهلة تأهيلاً علمياً عالياً، أضافة إلى سهولة النقل والموقع الجغرافي المميز، غير أن هذه جميعها موجهة لأصحاب الملايين الذي مازالوا في مرحلة اختيار موقع استثمارهم القادم، أو تحديد الموقع الأمثل للفرع التالي لسلاسل مصانعهم أو شركاتهم.

اسمحوا لي في هذا التقرير ان أبدأ بشكل مختلف، بما أن القارئ المستهدف يختلف. فقد بلغ عدد الشركات المسجلة في هولندا في عام 2023، أكثر من 2.3 مليون شركة[4]، وكان جزء كبير منها عبارة عن شركات صغيرة جدًا (من 0 إلى 9 موظفين) والتي بلغ عددها حوالي 1.4 مليون شركة.

تكشف بيانات “مقياس تتبع الثروة الأوروبية” عن صورة مختلفة لواقع ريادة الأعمال في أوروبا. فبينما يُظهر العمود الثالث أن نسبة الأثرياء العصاميين في هولندا تبلغ 75% وهي إحدى أعلى النسب في أوروبا ولم تبلغها إلا هولندا وأيرلندا، نجد في ألمانيا مثلاً أن هذه النسبة هي 26% فقط، وهو ما يعني ان 74% من أثرياء ألمانيا ورثوا ثروتهم ولم يصنعوها بأنفسهم.

وقد يعود ذلك إلى الطبيعة الصناعية المختلفة لألمانيا ووجود شركات ضخمة أكثر عراقة. بينما نجد في هولندا العكس، إذ إن 75% من الأثرياء صنعوا ثروتهم بأنفسهم، مما يشير إلى بيئة تسمح نظريًا، بتكوين الثروة من خلال العمل الحر وريادة الأعمال، لا عبر الإرث.

وبطبيعة الحال، يختلف حجم ونوع الاقتصاد بشكل كبير، ففي ألمانيا يوجد عدد من المليارديرات يزيد بنحو عشرة أضعاف مقارنة بهولندا، وإذا اعتبرنا مؤشر العصامية أحد الأدلة على فاعلية أنظمة الدول في تشجيع الأعمال الجديدة، فسنجد أن الدول الأعلى في هذه النسبة هي هولندا، وايرلندا، والمملكة المتحدة، والنرويج، وفرنسا، بينما تعد الدنمارك الأسوأ بنسبة صفر، تليها ألمانيا وإسبانيا بنسبة 34% من الأثرياء العصاميين.

الخلاصة: أن هولندا ليست بلدًا يمنحك الثروة، بل بلدًا يسمح لك ببنائها، إن عرفت كيف تدخل اللعبة!

جيني اندكس

لوضع الأمور في نصابها الصحيح لفهم التفاوت الكبير بين عدد المليارديرات في ألمانيا وبريطانيا وهولندا، علينا النظر إلى مؤشر اقتصادي آخر، وهو مؤشر عدم المساواة في توزيع الدخل  (Gini Index).  يبلغ حجم الاقتصاد الألماني 5 تريليونات دولار، والبريطاني 3.4 تريليون دولار، بينما الهولندي يبلغ 1.3 تريليون دولار، وهو فرق صغير نسبيًا إذا علمنا أن عدد سكان هولندا أقل من ربع عدد سكان ألمانيا، ومساحة هولندا تعادل حوالي 15% من مساحة ألمانيا، لكنها تتمتع بعدالة أكبر في توزيع الدخل.

يأخذ مؤشر جيني قيمًا بين الصفر والمئة (الصفر يعني تساويًا تامًا في توزيع الدخل بين فئات المجتمع، و100 تعني أقصى درجات عدم التساوي). مؤشر هولندا هو 26 نقطة، وهو يعني أن الدخول موزعة بشكل أكثر توازنًا بين الهولنديين، بينما حققت ألمانيا 33 نقطة وبريطانيا 34 نقطة، وهو أعلى من المتوسط الأوروبي ويعني عدالة أقل في توزيع الدخل.

وهذا يعني بدوره أن الثروة الهولندية أقل تركّزًا وأكثر توزيعًا على طبقات أوسع مثل الشركات المتوسطة والصغيرة (SMEs)، ورواد الأعمال، والعائلات المتوسطة.

تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال GEM

رغم أن التقرير[5] يُصنِّف كلًا من هولندا وألمانيا ضمن الاقتصادات المدفوعة بالابتكار، وهو ما قد يشكّل عامل جذب لرواد الأعمال من اللاجئين لاختيار هاتين الدولتين، إلا أنه يضع هولندا في مراتب أعلى عبر عدد من المؤشرات المرتبطة بريادة الأعمال بشكل عام.

فبحسب تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال (Global Entrepreneurship Monitor) لعام 2017، تحتل هولندا المرتبة الـ 12 عالميًا من حيث إدراك الفرص الريادية، أي نسبة الأشخاص الذين يرون فرصًا حقيقية لبدء عمل تجاري، كما تحتل المرتبة 28 من حيث إجمالي النشاط الريادي في المراحل المبكرة، وهو مؤشر يقيس نسبة السكان المنخرطين فعليًا في تأسيس مشاريع جديدة.

كذلك تأتي هولندا في المرتبة 22 من حيث ريادة الأعمال بدافع تحسين الوضع وليس بدافع الاضطرار. وهنا يميّز الباحث رونالد جونسون[6] بين رائد الأعمال المحلي ورائد الأعمال المهاجر، إذ يرى أن المهاجر أو اللاجئ غالبًا ما يتجه إلى ريادة الأعمال هربًا من التمييز الذي قد يواجهه في سوق العمل التقليدي. إضافة إلى ذلك، تحتل هولندا المرتبة 8 عالميًا من حيث اعتبار ريادة الأعمال خيارًا مهنيًا مناسبًا، مما يعكس نظرة مجتمعية إيجابية ترى في الريادة مسارًا مهنيًا محترمًا.

في المقابل، يظهر فارق كبير عند النظر إلى مؤشرات ألمانيا، إذ تحتل المرتبة 40 في إدراك الفرص، وهو ما قد يعكس انخفاض وضوح الفرص وتشبع السوق وصعوبة الدخول إليه. كما تأتي في المرتبة 63 في إجمالي النشاط الريادي في المراحل المبكرة (مقارنة بالمرتبة 28 في هولندا)، ما يشير إلى ميل المجتمع الألماني بشكل أكبر نحو الاستقرار الوظيفي.

أما في مؤشر ريادة الأعمال بدافع تحسين الوضع فتحتل ألمانيا المرتبة 26، وهي مرتبة قريبة نسبيًا من هولندا. في حين تتراجع بشكل واضح في مؤشر اعتبار ريادة الأعمال خيارًا مهنيًا مناسبًا، حيث تأتي في المرتبة الـ 53، أي متأخرة عن هولندا بخمسٍ وأربعين مرتبة.

عدد الشركات الناشئة والمفلسة سنوياً

شهدت هولندا خلال السنوات الخمس الماضية (تقريبًا من 2020 إلى 2025) تأسيس حوالي 1000 شركة ناشئة جديدة سنويًا، ليصل إجمالي عدد الشركات الناشئة في منظومة ريادة الأعمال إلى أكثر من 60 ألف شركة، مع زيادة ملحوظة في التمويل وتأسيس شركات جديدة، مما جعل هولندا مركزًا أوروبيًا رائدًا. وتشير البيانات إلى تأسيس 5321 شركة جديدة خلال السنوات الخمس الماضية وبتمويلٍ كبير، كما شهدت منظومة ريادة الأعمال نموًا بنسبة 26.2% خلال العام الماضي، مما يجعلها من أفضل منظومات ريادة الأعمال في الاتحاد الأوروبي[7].

توزع قطاعات الشركات الناشئة

خلال السنوات الخمس الماضية، تركزت غالبية الشركات الناشئة الجديدة في هولندا ضمن عدد محدود من القطاعات عالية النمو، ما يعكس ملامح واضحة للنظام الريادي الهولندي.

يأتي قطاع التكنولوجيا المالية Fintech في مقدمة هذه القطاعات باعتباره قوة تقليدية تقود المدفوعات الرقمية والخدمات المصرفية في أوروبا، إلى جانب الذكاء الاصطناعي الذي برز في عام 2024 كأسرع القطاعات نموًا ومحركًا أساسيًا لتأسيس مشاريع جديدة، مع تداخله المتزايد مع قطاعات أخرى مثل الصحة والتقنيات المالية.

كما يحتل قطاع تقنيات المناخ والطاقة مكانة محورية مدفوعًا بريادة هولندا في الاستدامة والتحول نحو الطاقة النظيفة، في حين يحافظ قطاع الصحة وعلوم الحياة على قوته بفضل البحث الأكاديمي المتقدم ووجود شركات كبرى.

وأخيرا قطاع التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية والذي يستفيد من موقع هولندا كمركز لوجستي أوروبي وقاعدة مستهلكين رقمية متقدمة، إلى جانب التقنيات العميقة (Deep Tech) المبنية على التفوق الهولندي العالمي في أشباه الموصلات والفيزياء المتقدمة. جغرافيًا، تتركز معظم أنشطة الشركات الناشئة في منطقة أمستردام الكبرى، تليها منطقة أيندهوفن المتخصصة في التقنيات العميقة، ثم أوتريخت القوية في علوم الحياة، ما يعكس تمركز الابتكار في أقاليم محددة ضمن البلاد.

الشركات المفلسة

على المقلب الآخر ولرسم صورة غير حالمة، سنجد ان عدد الشركات المفلسة[8] (بما يشمل الشركات الناشئة والتقليدية) قد وصل إلى 14,448 شركة خلال السنوات الخمس الأخيرة اي أكثر بثلاثة أضعاف من عدد الشركات التي تأسست. وتتوزع هذه الشركات كما يلي:

السـنـة عدد الشركات التي أعلنت إفلاسها
2021 1818
2022 2145
2023 3300
2024 4200
حتى نوفمبر 2025 2985

 

توزع قطاعات الشركات المفلسة

تتركز معظم الإفلاسات في قطاع التجزئة ويرجع ذلك إلى تراجع القوة الشرائية، والمنافسة الشرسة من المتاجر الإلكترونية الكبرى، وارتفاع تكاليف الإيجارات والطاقة. ويليه قطاع البناء بسبب نقص العمالة الماهرة، والقوانين الصارمة في هولندا المتعلقة بانبعاثات النيتروجين (Nitrogen crisis) والتي أدت لتوقف العديد من المشاريع. ثم يأتي قطاع رواد الأعمال المستقلين وأخيرا قطاع الضيافة بسبب “الآثار المتأخرة” لديون فترة كورونا.

لماذا نسبة الشركات المفلسة 3 أضعاف الجديدة؟

ولكن لماذا نجد أن عدد الشركات المفلسة أو الخارجة من السوق هو ثلاثة أضعاف عدد الشركات المسجلة أو الداخلة إلى السوق؟ هل يمكن أخذ ذلك الرقم كمؤشر على الانهيار أو مؤشر سلبي، أم انها الدورة الطبيعية للاقتصاد الغربي أو الاقتصاديات المتطورة؟

في الحقيقة إجابة هذا السؤال بحاجة إلى مقال مستقل، لأننا إذا أردنا الإجابة بشكل علمي فعلينا مقارنة أرقام التسجيل والافلاس في عدة اقتصادات مشابهة ومختلفة (مشابهة مثل: المانيا، فرنسا، انجلترا أو حتى الولايات المتحدة، ومختلفة مثل: الصين، السعودية أو البرازيل)، إضافة إلى مقارنة فترات تاريخية مختلفة خلال الخمسين عام الماضية مثلاً.

كما انه يحتاج إلى تشريح دقيق للشركات المفلسة من حيث القطاع والعمر مثلاً. ولكن إذا أردنا أن نقدم استعراض موجز ضمن سياق هذا المقال ومبني على أبحاث عدة جهات أكاديمية أو متخصصة، مثل المصرف المركزي الاوربي، فيمكننا القول إن الغالبية العظمى من الباحثين تميل إلى تفسير هذه النسبة المرتفعة بوصفها نتيجة تداخل ثلاث ديناميكيات رئيسية، لا كدليل قاطع على انهيار اقتصادي.

أولًا: نهاية عصر شركات الزومبي (Zombie Companies): [9] أدت برامج الدعم الحكومي السخية وقروض جائحة كورونا المؤجلة إلى إبقاء آلاف الشركات حية بصورة مصطنعة رغم فشل نموذج عملها. ومع توقف الدعم وعودة الالتزامات الضريبية، نشهد الآن ما يُعرف بـ “تأجيل الإفلاسات” (Delayed Insolvencies)، حيث تخرج هذه الشركات دفعة واحدة، مما يضخم أرقام الإفلاس مقارنة بسنوات الاستقرار.

ثانيًا: فخ التكاليف التشغيلية والسياسة النقدية: نحن نعيش فترة تشديد نقدي [10] (Monetary Tightening) وارتفاعًا في أسعار الفائدة، مما رفع كلفة التمويل. يضاف إلى ذلك القفزة الكبيرة في كلف الطاقة والارتفاع المستمر في الحد الأدنى للأجور، خاصة في هولندا. هذه العوامل جعلت البقاء في السوق مكلفًا جدًا للشركات التقليدية التي تعتمد على هوامش ربح ضيقة، وجعلت قرار الدخول إلى السوق أصعب على الشركات الجديدة.

ثالثًا: الغربلة القطاعية[11] (Sectoral Sifting): تتركز الإفلاسات أساسًا في قطاعات تقليدية منخفضة الابتكار وكثيفة العمالة مثل التجزئة التقليدية والبناء والضيافة. وفي المقابل، نجد أن الشركات الجديدة تتجه نحو قطاعات تكنولوجية أو ابتكارية بفِرق عمل رشيقة. نحن أمام عملية تدمير خلاق (Creative Destruction) [12]تعيد توزيع الموارد، لكنها تجعل السوق بيئة شرسة لا تقبل الخطأ.

وبناءً على ذلك، لا تعكس هذه النسبة بالضرورة فشلًا شاملًا لبيئة ريادة الأعمال، بقدر ما تعكس مرحلة غربلة اقتصادية قاسية تُعيد توزيع الموارد داخل الاقتصاد، ولكن بتكلفة غير متكافئة بين الفاعلين، حيث يتحمّل رواد الأعمال العاملون في القطاعات الهشة (وعلى رأسهم رواد الأعمال المهاجرون) عبئًا أكبر من هذه التحولات مقارنة بغيرهم.

إذا كانت هذه هي ملامح بيئة ريادة الأعمال في هولندا، بنجاحاتها وإخفاقاتها، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في النظام ذاته، بل في قدرة رائد الأعمال على فهمه والدخول إليه. أما رائد الأعمال المهاجر، فيبدأ هذا المسار من نقطة أكثر تعقيدًا، وهو ما يقودنا إلى التحديات الخاصة التي يواجهها.

واقع وتحديات رائد الأعمال المهاجر

بلغ عدد رواد الأعمال[13] المهاجرين (غير المولودين في هولندا) حتى عام 2023: 400 ألف رائد أعمال[14] من أصل 2.3 مليون رائد أعمال مسجلين في هولندا، مشكلين حوالي 18% من العدد الإجمالي. وإذا أضفنا إليهم رواد الأعمال من الجيل الثاني من المهاجرين فإن النسبة تصل إلى 28% من عدد رواد الأعمال المسجل في هولندا حتى عام 2023. أي أن المهاجرين أكثر ميلاً لريادة الأعمال من الهولنديين!

تتضمن هذه النسبة عدد كبير من رواد الأعمال البلغار والبولنديين والألمان، اما بالنسبة للجزء الذي يهمنا، أي رواد الأعمال الشرق أوسطيين، فإن الاتراك يصنفون كأعلى نسبة رواد أعمال من خارج الاتحاد الأوروبي، وهو أمر غير مستغرب، فالأتراك يعيشون في هولندا منذ عام 1960 ويشكلون حوالي 2.5% من مجموع سكان هولندا (حوالي 500 ألف)، أي أكبر مجموعة عرقية غير أوروبية تعيش في هولندا.

كما أن طول بقائهم في هولندا خلق لهم شبكة متكاتفة من عدة أجيال تنقل الخبرة، وتتيح أو تسلط الضوء على الفرص، وتساعد بالتمويل وتشكل سوقاً خاصاً بهم، وهي كلها أحد أهم عوامل نجاح الأعمال التجارية واستمراريتها.

رواد الأعمال السوريون

أما رواد الأعمال السوريون فقد شهدوا نموًا ملحوظًا في نسبهم، مما يمكن رده إلى أسباب أعمق من مجرد حُسن الاندماج. فمن 947 رائد أعمال سوري مسجّل عام 2016، وصل العدد عام 2021 إلى 3000 رائد أعمال، أما في عام 2023 فقد وصل العدد إلى أكثر من 5000 رائد أعمال، بنمو يتجاوز الـ 425% خلال 7 سنوات (بمعدل نمو سنوي يقارب 26.8%). توزعت قطاعاتهم بين متاجر التجزئة، والخدمات اللوجستية، والخدمات التقنية، والاستشارات، والمطاعم، وغيرها.

ولا يمكن فهم هذا النمو في ريادة الأعمال السورية بمعزل عن دوافعه العميقة. فبحسب دراسة أكاديمية[15] تناولت ريادة الأعمال بين اللاجئين السوريين في كل من هولندا وألمانيا، لا يتجه السوريون إلى تأسيس أعمالهم بدافع الفرص وحدها، بل نتيجة تداخل عوامل نفسية واقتصادية واجتماعية.

إذ تُظهر الدراسة أن كثيرًا من اللاجئين السوريين يحملون خبرات مهنية طويلة، لكنهم يواجهون صعوبات كبيرة في دخول سوق العمل التقليدي بسبب عدم الاعتراف بالشهادات، والحواجز اللغوية، وأحيانًا التمييز غير المعلن.

في هذا السياق، تصبح ريادة الأعمال وسيلة لاستعادة الاستقلالية المهنية والهوية الاجتماعية، أكثر من كونها خيارًا استثماريًا بحتًا. كما تشير الدراسة إلى أن السياق الهولندي، مقارنة بالألماني، يوفّر مرونة أكبر من حيث الإجراءات والدعم المؤسسي، إلا أن ذلك لا يلغي الطبيعة “الاضطرارية” لريادة الأعمال لدى شريحة واسعة من اللاجئين السوريين، خصوصًا في سنواتهم الأولى بعد الوصول.

رواد الأعمال العراقيين والمصريين واليمنيين

حتى مطلع عام 2024، يُقدَّر عدد الأشخاص من أصول عراقية المقيمين في هولندا بنحو 71,700 شخص، ويُظهر حضورهم في ريادة الأعمال مسارًا تصاعديًا واضحًا. إذ يتراوح عدد رواد الأعمال المولودين في العراق بين 3,500 و4,500 رائد أعمال، ما يعني أن نحو 4.6% من الجالية العراقية تعمل في النشاط التجاري الحر، وهي نسبة تعكس اندماجًا اقتصاديًا متقدمًا.

ويُعد هذا تطورًا كبيرًا مقارنةً بنهاية تسعينيات القرن الماضي، حين لم يتجاوز عدد رواد الأعمال العراقيين المسجلين بضع مئات. تتركز أنشطتهم بشكل أساسي في التجزئة المتخصصة، وقطاع المطاعم والضيافة، والخدمات المهنية والاستشارية، إضافة إلى التجارة بين هولندا والعراق.

وبالمقارنة مع رواد الأعمال السوريين، يتمتع العراقيون بملف ريادي أكثر استقرارًا نتيجة موجات هجرة أقدم (بحوالي 20 عام) أتاحت لهم بناء رأس مال وشبكات علاقات على مدى أطول، في حين يُسجّل السوريون معدلات نمو أسرع حاليًا، لكنهم لا يزالون في مراحل ريادية أحدث وأقل ترسخًا.

وفيما يتعلق برواد الأعمال المصريين في هولندا، يُقدَّر عددهم بعدة آلاف، مع اتجاه تصاعدي خلال العقد الأخير. فمع بلوغ عدد السكان من أصول مصرية (الجيل الأول) نحو 30 ألف شخص في السنوات الأخيرة، تشير التقديرات المستندة إلى بيانات CBS واتجاهات KvK[16] إلى أن ما بين 3,000 و4,000 رائد أعمال من أصول مصرية ينشطون حاليًا في السوق الهولندية، اي حوالي 10 إلى 12% من إجمالي الجالية، وهو من بين أعلى النسب إلى حجم الجالية، تتركز أعمالهم تقليديًا في قطاعات التجزئة، والضيافة والمطاعم، فهم لهم حضور جيد بالـ (Snack bars, Pizzerias, and Grill rooms) في المدن الكبرى مثل أمستردام وروتردام. إضافة إلى ذلك، هناك نشاط واسع في الاستيراد والتصدير بين هولندا ومصر، وخصوصاً بالمنتجات الزراعية والنسيجية. ويعكس هذا الحضور مسار اندماج اقتصادي تدريجي، حيث تميل ريادة الأعمال لدى المصريين إلى كونها وسيلة للاستقرار الاقتصادي وبناء دخل مستقل أكثر من كونها مشاريع تقنية عالية النمو، مع تحوّل بطيء، ولكن ملحوظ نحو قطاعات خدمية أكثر تنوعًا.

وأما رواد الأعمال اليمنيون، فحكايةُ أخرى. فعلى الرغم من صِغر حجم الجالية اليمنية في هولندا مقارنةً بالجاليات العربية الأخرى، فإن حضورها الريادي يُعد لافتًا من حيث الوتيرة والنوعية. فقد شهد عدد اليمنيين في هولندا نموًا ملحوظًا منذ عام 2015، مدفوعًا بارتفاع كبير في نسب قبول طلبات اللجوء التي وصلت إلى نحو 93% بحسب بيانات IND، ما سهّل انتقال كثيرين بسرعة من صفة لاجئ إلى مقيم، ثم إلى رائد أعمال.

ويُقدَّر عدد رواد الأعمال المولودين في اليمن حاليًا بما بين 400 و600 رائد أعمال، وهو رقم متواضع من حيث الحجم المطلق، لكنه كبير نسبيًا إذا ما قيس بحجم الجالية نفسها. وتُظهر البيانات أن القادمين اليمنيين غالبًا ما يتمتعون بمستوى تعليمي وخبرات مهنية مرتفعة، إذ عاش كثير منهم سابقًا في دول مثل السعودية ومصر وماليزيا، ونقلوا معهم خبرات تجارية وتقنية انعكست على أنشطتهم في هولندا. وتتركز مشاريعهم بشكل أساسي في المقاهي المتخصصة بالقهوة اليمنية، والمطاعم، والخدمات الرقمية والتقنية، إلى جانب التجارة الصغيرة والاستيراد والتصدير، ما يجعل التجربة اليمنية مثالًا على ريادة أعمال قائمة على رأس مال معرفي متنقّل، أكثر من كونها امتدادًا لجالية كبيرة أو قديمة.

التحديات: أنا أبدأ من تحت الصفر!

في عام 2023 تلقت شركتي الناشئة ترشيحها الاول لمسابقة رائد أعمال السنة (Srartupper van het Jaar) ضمن فعالية سنوية تنظمها Start Up Nijmegen[17] ، وذلك بعد فوز شركتي بجائزة موهبة ريادة الأعمال لبلدية بوننغن.

وبعد التصفية الأولى، تأهلنا إلى المرحلة الثانية وهي الوقوف وتقديم الشركة (Pitching your Business) أمام لجنة الحكم والمكونة من خمسة من كبار المستثمرين ورجال الأعمال بقاطعة نايميخن الهولندية. وما يعرفه كل رائد أعمال، ان لجان التحكيم من هذا النوع لا تؤمن فقط بالأرقام والنماذج التي تقدمها، وإنما تؤمن كذلك برائد الأعمال ذاته، لأنه قلب و روح المؤسسة، ولذلك قلت ضمن الفقرة المخصصة للحديث عن نفسي كمؤسس ل”سيريان كوتون”:

 

“بينما يبدأ رائد الأعمال الهولندي من فوق الصفر، ليس فقط بسبب شبكة علاقاته متعددة الطبقات والتي تتيح له الوصول للموارد التي يحتاجها للتأسيس والتوسع، أو بسبب معرفته ببلده ولغته والذي يعطيه فرصة أكبر لفهم القوانين وطبيعة المستهلك وديناميكيات السوق المحلي.  نجد أن رائد الأعمال السوري أو المهاجر يبدأ من تحت الصفر بكثير. فحتى أؤسس نموذجي الناجح الذي أعرضه أمامكم كان علي البدء من تحت الصفر والعمل بكل جد لسنوات حتى أصل لما قبل نقطة البداية التي يبدأ منها رائد الأعمال الهولندي “.

طبعاً ما لم أضفه من باب الدبلوماسية أنه حتى إن وصلت إلى معرفة رائد الأعمال الهولندي ببلده ومجتمعه، فلن أصل إلى قدرته على استقطاب التمويل والوصول إلى العملاء الكبار بسبب المحاباة أو التفضيل الطبيعي الموجود في كل المجتمعات. ما أردت إيصاله من خلال هذه الفكرة أن شركتي الناشئة تستحق التأهل للمرحلة الاخيرة من المسابقة، على الأقل بسبب الجهد الاستثنائي المبذول للنجاح.

التحديات والفرص الأوروبية الضائعة

وجدت الباحثة Laura Hood في تحقيقها[18] المنشور في صحيفة The Conversation عام 2024 أن أوروبا، بإخفاقها في توفير دعم فعّال ومستدام لرواد الأعمال المهاجرين، لا تظلم هذه الفئة فحسب، بل تحرم نفسها من مكاسب اقتصادية حقيقية. فبحسب تحليلها، يساهم رواد الأعمال المهاجرون بنسب أعلى من المتوسط في خلق فرص العمل، ورفع معدلات الابتكار، وتنشيط القطاعات المحلية، وفتح أسواق جديدة عبر شبكاتهم العابرة للحدود. ومع ذلك، تُظهر التجربة الأوروبية أن هذه الإمكانات تُهدر جزئيًا بسبب فجوة واضحة بين الخطاب السياسي الداعم للتنوع (Diversity)، والواقع العملي الذي يواجهه رائد الأعمال المهاجر عند محاولة تأسيس مشروعه.

وتشير Hood إلى أن العديد من الدول الأوروبية تمتلك بالفعل منظمات ومبادرات دعم تستهدف المهاجرين واللاجئين، مثل برامج التدريب، وحاضنات الأعمال، ومنصات الإرشاد، إلا أن هذه الجهود غالبًا ما تكون مجزأة، قصيرة الأمد، ومحدودة الأثر. فهي تركّز في كثير من الأحيان على المراحل الأولى فقط (التدريب أو التسجيل القانوني)، دون معالجة التحديات الأعمق المرتبطة بالتمويل، وبناء الشبكات المهنية، والدخول إلى الأسواق، أو تجاوز الحواجز غير الرسمية مثل ضعف الثقة أو التمييز البنيوي. ونتيجة لذلك، يتحول الدعم من أداة لتمكين مستدام إلى تدخل شكلي لا يمنع فشل المشاريع بعد سنواتها الأولى.

وتخلص Hood إلى أن أوروبا لا تخسر فقط مشاريع فردية تفشل، بل تخسر نموًا اقتصاديًا كان يمكن تحقيقه، وضرائب مستقبلية، وفرص عمل محلية، ومسارات اندماج أكثر فاعلية. فالفشل هنا ليس فشل رائد الأعمال وحده، بل فشل منظومة لم تُصمَّم بعد لاستيعاب التنوع كقيمة اقتصادية، إنما للأسف كملف اجتماعي هامشي.

غالباً ما يكون فشل رواد الأعمال المهاجرين في أوروبا وهولندا نتيجة لظاهرة يُطلق عليها الباحثون اسم Liability of Foreignness – LOF أو “عبء الأجنبي”. والذي يُعرف[19] بأنه الصعوبات التي تواجهها الشركات المهاجرة عند العمل في سوق جديدة نتيجةً قلة معرفتها بالبيئة المحلية. وقد يتجلى ذلك في شكل تمييز رسمي من خلال اللوائح أو تمييز غير رسمي من خلال التحيزات الثقافية. وهو الطريقة العلمية لتفسير لماذا يبدأ رائد الأعمال المهاجر من تحت الصفر.

غالباً ما يعود سبب عدم نجاح رائد الأعمال المهاجر إلى مجموعتين رئيسيتين من العوائق، يمكن تسمية المجموعة الأولى بالعوائق المعرفية. ولكن في النهاية يمكن اكتساب المعرفة، أي أنه عائق أو تحدي يمكن أن يتجاوزه رائد الأعمال بنفسه من خلال دراسة جامعية على سبيل المثال أو اللجوء إلى حاضنة أعمال متخصصة بمساعدة المهاجرين مثل Forward Incubator  أو ESDP أو حتى من خلال شبكة اجتماعية قديمة ومتينة كما يفعل الأتراك في هولندا وألمانيا. فأنت تستطيع أن تتعلم بعد مثابرة ما تحتاج معرفته عن السوق، والمستهلكين، والقوانين، والمنافسين وكل ما يحتاج رائد الأعمال معرفته. ولكن المشكلة الحقيقية تكمن بالسبب الثاني وهو التمييز أو التنميط ( (Discrimination or Stereotyping. دعونا تالياً نتناول كل مجموعة على حدة:

أولًا: العوائق المعرفية (القابلة للتجاوز)

1. التعقيد المؤسسي والبيروقراطي: يعمل رائد الأعمال المهاجر في بيئة تنظيمية شديدة الرسمية، كما هو الحال في هولندا أو ألمانيا، حيث تتداخل القوانين الضريبية، والتصاريح البلدية، ومتطلبات التأمين، ومعايير الامتثال. لا تمثل هذه المنظومة عائقًا حقيقيًا للمواطن المحلي الذي يكتسب فهمها تدريجيًا عبر سنوات من الاحتكاك بالنظام، لكنها تشكّل تحديًا كبيرًا للوافد الجديد الذي يُطلب منه فهمها دفعة واحدة، وغالبًا تحت ضغط الوقت والموارد المحدودة. لا تكمن المشكلة هنا في ذكاء رائد الأعمال، بل فيما يمكن تسميته بـالأمية البيروقراطية الناتجة عن غياب الخبرة المسبقة بالسياق المؤسسي المحلي.

2. حداثة الوجود وغياب التاريخ الائتماني: تواجه المشاريع التي يؤسسها المهاجرون ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بعبء الحداثة أو Liability of Newness ، حيث تفتقر إلى سجل مالي محلي، أو تاريخ ائتماني، أو أصول يمكن تقديمها كضمانات (كالعقار مثلًا). ونتيجة لذلك، ترفض البنوك الهولندية في كثير من الأحيان طلبات التمويل، ليس بسبب ضعف الفكرة أو الخطة، بل بسبب غياب “الأدلة” التي يعتمد عليها النظام المالي لتقييم المخاطر. هذا يدفع العديد من رواد الأعمال المهاجرين إلى الاعتماد على قروض غير رسمية من العائلة أو الأصدقاء، وهي مصادر تمويل محدودة لا تسمح بنمو المشروع أو صموده على المدى الطويل، فهي قد تكفي للإقلاع، ولكن التحدي يكمن بتمويل التوسع والاستمرار.

3. ضعف رأس المال الاجتماعي وانقطاع الشبكات: يستفيد رواد الأعمال المحليون من نوعين من العلاقات: علاقات قوية (العائلة والأصدقاء)، وعلاقات ناعمة لكنها حاسمة، وهي معارف مهنية، وموردون، وعملاء، وممولون، ومستشارون… إلى اخره. في المقابل، يفتقر رائد الأعمال المهاجر غالبًا إلى هذا النوع الثاني من العلاقات، وهي الأكثر أهمية في الوصول إلى فرص ذات قيمة عالية خارج الإطار العرقي الضيق. ونتيجة لذلك، يبقى الكثير من رواد الأعمال المهاجرين محصورين داخل أسواق محدودة، ما يقلل من فرص التوسع والتنوع.

4. اللغة والمسافة الثقافية: حتى مع إتقان اللغة المحلية على المستوى المهني، تبقى هناك فجوة دقيقة تتعلق بفهم السياق، والنبرة، والإيحاءات الثقافية، وتوقعات المستهلك. هذه الفجوة قد تؤدي إلى سوء فهم في التفاوض على العقود، أو الفشل في التقاط الذوق المحلي، أو تقديم خدمة لا تتماشى مع المعايير غير المكتوبة للسوق. وهي ليست مسألة لغوية بحتة، بل مسافة ثقافية لا تُردم إلا بمرور الوقت والاحتكاك العميق بالمجتمع.

ثانيًا: التمييز والتنميط (العائق الأصعب)

1. التمييز في الوصول إلى التمويل: تشير الأبحاث إلى أن المؤسسات المالية قد تتعامل مع المشاريع المملوكة لمهاجرين باعتبارها ذات أخطار ائتمانية أعلى، استنادًا إلى صور نمطية مسبقة لا علاقة لها بجودة الخطة أو جدواها الاقتصادية. هذا النوع من التمييز، المعروف بالتمييز القائم على الذوق أو الانطباع، يؤدي إلى فرض شروط أشد صرامة، أو رفض التمويل بالكامل، مما يضع رائد الأعمال المهاجر في موقع تنافسي أضعف منذ البداية.

2. التنميط الاستهلاكي وحصر المهاجر في قطاعات معينة: غالبًا ما يُدفع رواد الأعمال المهاجرون، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى قطاعات بعينها مثل المطاعم أو تجارة التجزئة منخفضة المهارة، بسبب تصورات مسبقة لدى المستهلكين والموردين حول شكل العمل الذي يفترض أن يديره مهاجر. محاولة الخروج من هذه القوالب النمطية والدخول إلى قطاعات تقنية أو استشارية عالية القيمة تتطلب من رائد الأعمال المهاجر جهدًا مضاعفًا لإثبات الكفاءة، فيما يُعرف بـتهديد الأصالة أو Authenticity Threat، أي الحاجة المستمرة لإثبات أنه لا يقل كفاءة عن نظرائه المحليين.

3. التحيزات المؤسسية وفقدان الثقة بالنظام: لا يقتصر التمييز على السوق وحده، بل يمتد أحيانًا إلى كيفية تطبيق القوانين أو التعامل مع رواد الأعمال من خلفيات مهاجرة داخل المؤسسات العامة. وقد أظهرت تجارب سابقة في المجتمع الهولندي أن التحيز المؤسسي، حتى وإن لم يكن مقصودًا، يمكن أن يخلق بيئة طاردة، تجعل رواد الأعمال المهاجرين أكثر ترددًا في طلب الدعم الحكومي أو التعامل مع الجهات الرسمية، خوفًا من التعقيد أو سوء التقدير.

الخلاصة: ماذا أفعل؟

هل أحبطك؟ تأكد أن هذا لم يكن مقصدي من السرد السابق، إنما كان هدفي أن أرسم لك صورة واقعية تمامًا لطبيعة ريادة الأعمال في هولندا أو أوروبا، بعيدًا عن المقالات الترويجية أو الأحلام الوردية، حتى تتمكن من رسم طريق نجاح واستمرار مشروعك بثقة، وعن معرفة لما أنت مقدم عليه.

إذا أردت أن تنجح، فعليك أن تتعلم من تجارب الناجحين الذين بدأوا من حيث تبدأ. وهنا اسمح لي أن أقدم 4 نماذج أفخر بنجاحها، إنهم الأربعة الموهوبون:

  • شادي حكيمي مؤسس Taaly – تكنولوجيا تعليم متطورة: تطبيق متقدم يحل مشكلتي تعلم اللغة والاندماج.
  • خالد شعبان مؤسس Subul – تكنولوجيا مستدامة: مؤسسة تربط الشركات التقنية في أوروبا باحتياجاتها في التوظيف من اللاجئين الموهوبين حول العالم.
  • أنس شيخ الجامع مؤسس Mately – صناعات غذائية: مشروب بارد منعش مستخلص من نبتة المتة.
  • تميم كبارة مؤسس Daffee – صناعات غذائية مستدامة: قهوة مصنوعة من نواة التمر.

تجاوزت قيمة بعض هذه العلامات التجارية المليون يورو، مع تعدد الأسباب والظروف، ولكن هناك سببان مشتركان بين الأربعة:

  1. المعرفة: لم يكتف أربعتهم بالخبرة وتوظيف التعليم العالي الذي تلقوه، بل سعوا بكل جهد إلى التزود بالمعرفة من كل المصادر المتاحة في هولندا وغيرها. استعانوا بنجاح بحاضنات الأعمال المحلية، طوروا مهاراتهم، وكونوا بكل حنكة ومثابرة شبكة محلية عَرفتهم على ديناميكيات السوق الهولندية واحتياجاته وفتحت لهم الأبواب الموصدة عادة في وجه المهاجرين.
  2. التغلب على التمييز: استعان أربعتهم بكل ذكاء بشركاء محليين، وهو أمرٌ ليس بالسهل ويحتاج إلى قدرةٍ كبيرة على التخطيط، اثبات القدرات، جدوى المشروع والإقناع. لقد عرفوا كيف يقدمون أنفسهم للمجتمع الاقتصادي المحلي. فوجود شريك محلي لم يساعدهم فقط على تكييف منتجهم مع ذائقة سوق المحلية وإنما كان كذلك الطريقة المثلى لفتح الأبواب الموصدة وللتغلب أو مناورة تحديات التمييز الثلاثة (التمييز في الوصول إلى التمويل، التنميط الاستهلاكي وحصر المهاجر في قطاعات معينة، والتحيزات المؤسسية وفقدان الثقة بالنظام).

الخاتمة

إذا أردت ألا تطارد سراباً، فعليك بمعرفة البيئة من حولك والاستعانة بدليل أو شريك رحلة محلي يستطيع مساعدتك على التمييز بين السراب و الواقع.

ريادة الأعمال في المهجر ليست سباق سرعة، بل سباق تحمّل داخل نظام لم يُصمَّم لك أصلًا. النجاح هنا لا يعني أن تصبح استثناءً خارقًا، بل أن تفهم قواعد اللعبة كما هي، لا كما يُروَّج لها، وأن تبني مشروعك على الوعي لا على الأوهام. من ينجح ليس الأذكى ولا الأجرأ، بل الأكثر قدرة على التعلم، وبناء التحالفات، وتحويل الهشاشة إلى استراتيجية.

 

*معتز عوف، حاصل على ماجستير إدارة الأعمال الدولية من جامعة تيلبرخ، ومحاضر ضيف في جامعتي تيلبرخ وأمستردام في مجالات ريادة الأعمال الاجتماعية، والتسويق، وتوليد القيمة.

رائد ومستشار أعمال، ومقيم في هولندا منذ 11 عامًا.

 

[1] OECD – CB Insights – Eurostat

[2] https://www.statista.com/chart/11690/the-top-reasons-startups-fail/

[3] https://www.pwc.com/jp/en/services/globalization/news/assets/pdf/pwc-doing-business-in-the-netherlands-2025.pdf

[4] https://nltimes.nl/2023/01/11/netherlands-now-home-23-million-businesses

[5] https://www.abacademies.org/articles/a-new-career-in-a-new-town-entrepreneurship-among-syrian-refugess-in-germany-and-the-netherlands-8296.html

[6] ذات المصدر السابق

[7] https://www.startupblink.com/startup-ecosystem/the-netherlands?page=1

[8] https://www.dutchnews.nl/2025/01/bankruptcy-rate-rises-30-but-is-still-well-down-on-last-crisis/

[9] https://www.ecb.europa.eu/press/financial-stability-publications/fsr/special/html/ecb.fsrart202105_01~f9b060744e.en.html

[10] https://www.ecb.europa.eu/press/key/date/2023/html/ecb.sp230419~09fe9b3295.en.html

[11] https://www.ecb.europa.eu/press/economic-bulletin/articles/2024/html/ecb.ebart202404_01~7283402c4b.en.html

[12] https://www.investopedia.com/terms/c/creativedestruction.asp

[13] لنصحح الخلط الشائع بين مصطلحي رجل الأعمال ورائد الأعمال (Entrepreneur and Businessman). رائد الأعمال يُنشئ مشاريع جديدة بأفكار مبتكرة، مُركزًا على إحداث تغيير جذري في السوق وتحقيق نمو سريع، وغالبًا ما يُقدم على مخاطر كبيرة، بينما يُدير رجل الأعمال نماذج الأعمال القائمة ويُحسّنها لتحقيق الربح، مُركزًا على الاستقرار والكفاءة، والمنافسة ضمن الأطر النمطية، مُتخذًا مخاطر محسوبة لتحقيق عوائد ثابتة. يكمن الفرق الجوهري في الابتكار مقابل التشغيل: رواد الأعمال هم مُنشئو أسواق جديدة (قادة السوق)، بينما رجال الأعمال هم لاعبون في الأسواق القائمة (لاعبون في السوق).

[14] https://zoek.officielebekendmakingen.nl/kst-29861-146.pdf

[15] https://www.abacademies.org/articles/a-new-career-in-a-new-town-entrepreneurship-among-syrian-refugess-in-germany-and-the-netherlands-8296.html

[16] https://opendata.cbs.nl/statline/%23/CBS/nl/dataset/83963NED/table%3Fts%3D1710424567890

[17] تقع مدينة نيميخن، أقدم مدينة في هولندا، في مقاطعة خيلدرلاند، شرق هولندا بالقرب من الحدود الألمانية. وبلغ عدد سكانها حوالي 189 ألف نسمة في عام 2026. تحتوي جامعة رادبود العريقة وتتميز بحيويتها العالية.

[18] https://theconversation.com/by-failing-to-support-migrant-entrepreneurs-europe-is-missing-out-on-opportunities-for-economic-growth-235246

[19] https://www.gauthmath.com/solution/1832479212436514/Which-of-the-following-is-a-way-that-a-foreign-firm-may-be-effected-by-the-liabi

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *