المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / أوروبا مع فوز الديمقراطيون.. هل تعود الشراكة التقليدية؟

أوروبا مع فوز الديمقراطيون.. هل تعود الشراكة التقليدية؟

أوروبا مع فوز الديمقراطيون.. هل تعود الشراكة التقليدية؟

لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا في عهد دونالد ترامب مجرد شراكة استراتيجية تجمع حلفاء داخل حلف شمال الأطلسي، بل تحولت إلى علاقة تتسم بتصاعد الضغوط والمساومات السياسية والاقتصادية في مشهد يعكس تحولات عميقة في رؤية واشنطن لدورها الدولي ولطبيعة التزاماتها تجاه حلفائها التقليديين.

منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025 تعامل ترامب مع أوروبا باعتبارها طرفاً يتحمل مسؤولية أكبر في تمويل أمنه والدفاع عن مصالحه وليس شريكاً متساوياً في صناعة القرارات الدولية، وخلال نحو عامين استخدم الرئيس الأمريكي مجموعة من أدوات الضغط، بدءاً من الرسوم الجمركية، مروراً بملف الإنفاق الدفاعي وصولاً إلى الحرب الروسية الأوكرانية ومحاولات فرض تصورات أمريكية منفردة بشأن مستقبل الأمن الأوروبي.

أولاً: الرسوم الجمركية.. تحويل الشراكة الاقتصادية إلى أداة ضغط

كان الملف التجاري أحد أبرز ميادين المواجهة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، فقد استخدم ترامب التهديد بفرض رسوم جمركية مرتفعة على المنتجات الأوروبية لدفع الاتحاد الأوروبي إلى تقديم تنازلات تجارية واستثمارية.

وفي يوليو 2025 انتهت المفاوضات الأمريكية الأوروبية إلى اتفاق فرض رسوماً أمريكية بنسبة 15% على غالبية الصادرات الأوروبية مقابل تفاهمات تضمنت تعهدات أوروبية باستثمارات ومشتريات أمريكية كبيرة خصوصاً في قطاعات الطاقة والدفاع.

وبغض النظر عن وصف المفوضية الأوروبية للاتفاق بأنه تسوية تحقق الاستقرار فإن النتيجة السياسية كانت واضحة، استطاعت واشنطن استخدام حجم السوق الأمريكية وقوة اقتصادها لانتزاع شروط أكثر ملاءمة لمصالحها بينما وجدت أوروبا نفسها أمام خيار صعب بين قبول التسوية أو الدخول في حرب تجارية مع أكبر شريك اقتصادي لها.

ثانياً: الناتو من ضمانة أمنية مشتركة إلى فاتورة أوروبية متصاعدة

في الملف الأمني أعاد ترامب طرح تساؤلات قديمة حول التزامات الولايات المتحدة تجاه حلف الناتو وكرر انتقاداته للدول الأوروبية التي لا تتحمل وفق رؤيته نصيباً عادلاً من تكاليف الدفاع.

ولم يتوقف الأمر عند المطالبة بالوصول إلى نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، بل دفع باتجاه رفع الإنفاق الدفاعي للحلفاء إلى 5% بحلول عام 2035، وفي قمة لاهاي في يونيو 2025، وافق أعضاء الناتو على هذا الهدف، في انتصار سياسي واضح لترامب، الذي استطاع تحويل أحد أبرز مطالباته إلى التزام جماعي للحلف.

لكن القضية تتجاوز الأرقام فالأوروبيون يواجهون معادلة جديدة زيادة الإنفاق العسكري وتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة مع استمرار اعتمادهم على القدرات الأمريكية في مجالات الاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية والدفاع الجوي والردع النووي.

وهنا تكمن المفارقة فواشنطن تطالب الأوروبيين بتحمل المزيد من الأعباء لكنها لا تقدم ضمانات سياسية مماثلة بشأن مستوى مشاركتها المستقبلية في الدفاع عن القارة.

ثالثاً: أوكرانيا أوروبا خارج الطاولة الأمريكية

ربما كان الملف الأوكراني الاختبار الأكثر حساسية للعلاقات عبر الأطلسي ففي فبراير 2025 فاجأ ترامب الأوروبيين بإجراء اتصال مباشر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والإعلان عن بدء مسار تفاوضي لإنهاء الحرب دون التشاور المسبق مع الأوروبيين أو القيادة الأوكرانية.

وزادت الصدمة عندما أعلن مبعوثه الأمريكي كيث كيلوغ أن الأوروبيين لن يكونوا طرفاً مباشراً في طاولة المفاوضات الأمريكية الروسية الأوكرانية، كان ذلك تطوراً بالغ الدلالة؛ فالحرب تدور على الأراضي الأوروبية ونتائجها تمس مستقبل الأمن الأوروبي ومع ذلك حاولت واشنطن التعامل معها باعتبارها ملفاً يمكن حسمه عبر تفاهم أمريكي روسي مع مطالبة الأوروبيين بتحمل جانب كبير من الأعباء المالية والعسكرية والأمنية المترتبة على التسوية.

كما أن إدارة ترامب دفعت باتجاه استبعاد عضوية أوكرانيا في الناتو من التسوية المطروحة، وأبدت استعداداً لمناقشة ترتيبات سياسية وأمنية لا تتطابق بالضرورة مع الرؤية الأوروبية أو الأوكرانية، وبذلك وجدت أوروبا نفسها أمام تناقض استراتيجي مطالبة بتمويل جانب كبير من دعم أوكرانيا وتحمل تداعيات الحرب لكنها لا تمتلك بالضرورة التأثير نفسه في تحديد شروط إنهائها.

رابعاً: غرينلاند.. عندما يصل الضغط الأمريكي إلى السيادة الأوروبية

لم تتوقف الضغوط عند الاقتصاد والأمن والحرب، بل امتدت إلى مسألة السيادة الإقليمية الأوروبية، ففي يناير 2026 صعّد ترامب ضغوطه بشأن غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك وأعلن التهديد بفرض رسوم جمركية إضافية على ثماني دول أوروبية بسبب معارضتها لطموحاته المتعلقة بالجزيرة.

وكانت الرسالة الأمريكية شديدة الحساسية إذ لم يعد الخلاف متعلقاً بتقاسم تكاليف الدفاع أو الاختلاف حول السياسات التجارية، بل وصل إلى استخدام الأدوات الاقتصادية للضغط على حليف داخل الناتو بشأن إقليم تابع له.

ورد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن التهديدات الجمركية غير مقبولة، مؤكداً أن أوروبا لن تتخلى عن سيادتها تحت الضغط، كما رفضت دول أوروبية أخرى ما وصفته بالابتزاز، وأكدت أن أمن القطب الشمالي يجب أن يكون مسؤولية مشتركة داخل الحلف.

وقد كشفت أزمة غرينلاند أن مشكلة أوروبا مع ترامب أعمق من خلافات ظرفية؛ إنها تتعلق بمدى احترام الولايات المتحدة لمبادئ الشراكة والسيادة التي قامت عليها العلاقات الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خامساً: ألمانيا وفرنسا البحث عن استقلال استراتيجي

أمام هذه التحولات بدأت تتصاعد داخل ألمانيا وفرنسا أصوات تدعو إلى إعادة النظر في طبيعة الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة، فقد حذر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في فبراير 2025 من أن تقديم تنازلات لموسكو قبل بدء مفاوضات السلام يضعف الموقف التفاوضي، فيما أكدت وزيرة الخارجية الألمانية آنذاك أن أمن أوروبا لا يمكن مناقشته دون مشاركة الأوروبيين.

أما فرنسا فقد تمسكت بمبدأ أن السلام في أوكرانيا لا ينبغي أن يتحقق من خلال إضعاف الدولة الأوكرانية أو فرض تسوية تتجاهل المصالح الأمنية الأوروبية، وهذا التوجه يعيد إحياء فكرة الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي التي طالما طرحها ماكرون ولكنها أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً في ظل تراجع الثقة في استمرارية الضمانات الأمريكية.

سادساً: مع فوز الديمقراطيون.. هل تعود الشراكة التقليدية؟

لفهم حجم التحول في العلاقة لا بد من المقارنة مع إدارة جو بايدن ففي قمة الناتو بواشنطن في يوليو 2024 وصف بايدن الالتزام بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف بأنه التزام مقدس، وأكد أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن أوكرانيا ولن تتراجع عن دعم الناتو.

كان ذلك يعكس فلسفة سياسية مختلفة تقوم على أن قوة الولايات المتحدة مرتبطة بقوة تحالفاتها، وأن أمن أوروبا جزء من الأمن القومي الأمريكي، لكن نتائج انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر 2026، والتي انتهت بفوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ تفتح مرحلة جديدة من التوازنات داخل واشنطن.

فهذا الانتصار يمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على مراقبة سياسات ترامب والتحقيق في قرارات إدارته وعرقلة بعض تشريعاته وتعييناته وفرض نقاش سياسي أوسع حول مستقبل الالتزامات الأمريكية الدولية.

ومن المرجح أن ترى العواصم الأوروبية في هذا التحول فرصة لإعادة بناء قنوات التواصل مع الحزب الديمقراطي وتعزيز التنسيق مع قياداته في الكونغرس والدفع باتجاه استمرار الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا ودعم أوكرانيا.

لكن ينبغي عدم المبالغة في دلالات هذا الانتصار؛ فسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تعني امتلاكهم صلاحيات الرئيس في إدارة السياسة الخارجية ولا تعني أن واشنطن ستعود تلقائياً إلى سياسات بايدن، كما أن هناك تيارات داخل الحزبين الأمريكيين باتت أكثر تشككاً في حجم الالتزامات الخارجية وتكاليفها.

إن التحول الأهم في علاقة أوروبا بواشنطن في عهد ترامب ليس مجرد ارتفاع الرسوم الجمركية أو زيادة الإنفاق الدفاعي، بل تراجع اليقين الأوروبي بشأن طبيعة الشراكة الأمريكية نفسها، فقد اكتشف الأوروبيون أن الاعتماد على الولايات المتحدة لا يمنحهم بالضرورة موقعاً متقدماً في صناعة القرارات التي تحدد مستقبل أمنهم، وأن التحالف التاريخي لا يمنع واشنطن من استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لتحقيق مصالحها.

وقد تمنح نتائج انتخابات 2026 الأوروبيين فرصة لتقييد اندفاع ترامب داخلياً، لكنها لن تعالج وحدها أزمة الثقة عبر الأطلسي .. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم الأوروبية اليوم ليس فقط كيف تستعيد العلاقة مع الديمقراطيين، بل كيف تبني قوة سياسية وعسكرية واقتصادية تجعلها شريكاً لا يمكن تجاوزه، سواء كان ساكن البيت الأبيض جمهورياً أو ديمقراطياً.

فأوروبا التي لا تمتلك أدوات التأثير المستقلة ستظل تدفع تكاليف القرارات التي يتخذها الآخرون، حتى عندما تكون هي الطرف الأكثر تأثراً بنتائجها.

 

التعليقات مغلقة.