هل يغلق الشيوخ الهولندي أبواب الأمل؟
ابوبكر باذيب
يشهد مجلس الشيوخ الهولندي، اليوم الثلاثاء 21 أبريل 2026، يوماً حاسماً قد ينهي سنوات من سياسات اللجوء المرنة عبر إقرار حزمة قوانين مشددة، ورغم التوقعات بصراع محموم أثناء التصويت، ينقسم المعارضون إلى جبهتين؛ الأولى تقودها أحزاب يسارية وليبرالية مثل حزب العمل والأخضر وحزب D66، التي ترفض القوانين بدوافع إنسانية ودستورية، أما الجبهة الثانية فتتمثل في حزب الحرية (PVV)، الذي يرفض الحزمة الحالية ليس لأنها قاسية، بل لكونها في نظره ‘أقل تشدداً’ مما يجب، مطالباً بإجراءات أكثر صرامة تصل إلى حد إلغاء حق اللجوء بالكامل.
وسواء أُقرت هذه القوانين اليوم، أو رُفضت، أو سعت أطراف معينة لتأجيل الحسم، فإن هذا الحراك يأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية، إذ يتزامن مع اقتراب دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التنفيذ في يونيو القادم، إن هذه الحزمة -بما تتضمنه من نظام ‘الوضعيتين’ للإقامة، وتفعيل قوانين الطوارئ، وتشديد العقوبات على الإقامة غير القانونية- تعكس توجهاً جذرياً نحو إعادة صياغة سياسة اللجوء الهولندية، لكنها في الوقت ذاته تفتح باباً واسعاً لتساؤلات عميقة حول تداعياتها القانونية، وأبعادها الإنسانية والنفسية على الفئات المستهدفة.”
من الناحية القانونية، يمثل نظام “الوضعيتين” تحولًا مهمًا في كيفية منح الحماية، إذ يتم التمييز بين اللاجئ الذي يحصل على حماية كاملة، وآخر يُمنح حماية مؤقتة أو أقل استقرارًا، هذا التدرج في الحقوق قد يبدو منطقيًا من زاوية إدارة الملفات، لكنه يخلق طبقات قانونية مختلفة داخل فئة يفترض أنها بحاجة للحماية، فبدل أن يكون اللجوء نقطة وصول إلى الاستقرار، قد يصبح حالة انتقالية طويلة، تفتقر إلى الوضوح، ومع إضافة قانون الطوارئ، الذي يهدف إلى تسريع إجراءات البت في الطلبات، يصبح التركيز منصبًا على السرعة والكفاءة، وهو أمر مهم إداريًا، لكنه قد يطرح تحديات تتعلق بجودة القرارات وضمانات العدالة.
أما تشديد التعامل مع الإقامة غير القانونية، فيعكس رغبة واضحة في فرض مزيد من الانضباط على النظام، غير أن هذا التوجه يضع فئة من المهاجرين في وضع أكثر هشاشة، خاصة أولئك الذين لا يستطيعون العودة لأسباب معقدة، هنا يظهر التوتر بين منطق القانون، الذي يسعى إلى التنظيم، ومنطق الواقع الإنساني، الذي غالبًا ما يكون أكثر تعقيدًا من النصوص.
على المستوى الإنساني، تبرز مسألة وحدة الأسرة كأحد أكثر الجوانب حساسية، فالتقييد المحتمل لعمليات لمّ الشمل قد يؤدي إلى فترات طويلة من الانفصال، ما ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي للاجئين، كما أن العيش في وضع قانوني مؤقت أو غير مستقر يجعل من الصعب التخطيط للمستقبل، سواء من حيث التعليم أو العمل أو الاندماج في المجتمع، والإنسان بطبيعته يحتاج إلى شعور بالثبات النفسي والاستقرار الاجتماعي، وعندما يصبح هذا الشعور معلقًا بقرارات إدارية متغيرة، تتزايد مشاعر القلق وعدم اليقين.
البعد النفسي هنا لا يقل أهمية عن القانوني والإنساني، فاللاجئ أو المهاجر الذي يعيش تحت ضغط الانتظار أو احتمال فقدان الإقامة، يكون أكثر عرضة للتوتر والاضطرابات النفسية، ان سردية الشعور بأنه “مؤقت” أو “غير مرغوب فيه” قد يخلق فجوة بينه وبين المجتمع المضيف، حتى لو كانت هناك فرص للاندماج.
وفي المقابل، فإن الخطاب السياسي المتشدد حول الهجرة يمكن أن يؤثر أيضًا على نظرة المجتمع المحلي، ما ينعكس على شعور الجميع بالأمان، سواء كانوا مواطنين أو مهاجرين.
من جهة أخرى، هناك من يرى مبررات منطقية لدوافع الحكومة، التي تنطلق من أن هذه الإجراءات ضرورية لاستعادة السيطرة على نظام اللجوء، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على مراكز الاستقبال والخدمات العامة، كما أن مواءمة السياسات الوطنية مع الإطار الأوروبي الجديد تعني أن هولندا لا تتحرك بمعزل عن محيطها، بل ضمن توجه أوسع يسعى إلى توزيع المسؤوليات بين الدول الأعضاء وتقليل التفاوت في استقبال طالبي اللجوء.
يبقى السؤال الجوهري: كيف يتحقق الأمان؟ بالنسبة للمجتمع، قد يُنظر إلى هذه القوانين كوسيلة لضبط النظام وتعزيز الشعور بالسيطرة، لكن بالنسبة للاجئين والمهاجرين، الأمان لا يُقاس فقط بوجود قوانين، بل بمدى وضوحها وعدالتها وقدرتها على منحهم فرصة حقيقية لبناء حياة مستقرة، الأمان الحقيقي ينشأ عندما يشعر الإنسان بأنه ليس مهددًا في أي لحظة بفقدان مكانه أو مستقبله.
في النهاية، تقف هولندا أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على نظام فعال للهجرة واللجوء، وبين الالتزام بالقيم الإنسانية التي تقوم عليها، إن نجاح هذه السياسات لن يتحدد فقط بقدرتها على تقليل الأعداد أو تسريع الإجراءات، بل بمدى قدرتها على خلق توازن يضمن الكرامة والاستقرار، ويعزز شعور الجميع بالأمان، دون استثناء.



