المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / نهاية السردية الأوروبية للإنسانية.. اللجوء أنموذجاً

نهاية السردية الأوروبية للإنسانية.. اللجوء أنموذجاً

نهاية السردية الأوروبية للإنسانية.. اللجوء أنموذجاً

د. جمال حسين

هولندا لم تعد وحدها في مواجهة تيار الهجرة، وأوروبا لم تعد تملك ترف التأجيل أو الحلول الترقيعية، فأصبح خيار التضييق على حساب الإنسانية هو الذي يسيّر الاتجاه العام. ما جرى ويجري خلال العام الجاري لم يكن مجرد إطار زمني لتنفيذ “ميثاق الهجرة واللجوء” الأوروبي الجديد، بل كان إعلاناً ضمنياً بأن القارة غادرت مرحلة المثاليات المريحة، ودخلت زمن الحسابات الدقيقة.

لم يعد السؤال: من الذي نحميه؟ بل أصبح: إلى أي حد يمكن أن نحمي دون أن ننهار سياسياً؟

الميثاق الجديد لم يولد كنتاج لمناقشات فكرية وقانونية عميقة، ولم يضع واضعوه نصب أعينهم العدالة العمياء أو ضرورة تطبيق قواعد قانونية تتصف بالعمومية والتجريد، بل خرج من رحم توتر طويل. فمنذ عام 2015، تراكمت الأزمات، وتباينت المواقف، وتصدعت الثقة بين دول الاتحاد؛ دول الجنوب شعرت بأنها تُترك وحدها أمام موجات الوصول، بينما دول الشرق أغلقت أبوابها أو كادت.

وفي المنتصف، حاولت بروكسل أن تمسك الخيط، لكن الخيط كان ينقطع كل مرة عند عقدة السياسة وعدم نجاح سياسات الاندماج بصورة مرجوة، فتبقى الاختلافات الثقافية والمعرفية حجر عثرة في محاولات اللاجئ الاعتماد على نفسه.

ثم جاء عامل آخر أكثر تأثيراً من النصوص: صعود اليمين. لم يكن هذا الصعود مجرد ظاهرة انتخابية، بل تحول إلى قوة ضغط نفسية على صناع القرار.

السياسي الأوروبي لم يعد يفكر فقط في القانون، بل في الناخب الذي يراقب، ويغضب، ويعاقب. ومع كل خطاب متشدد، كانت مساحة المناورة تضيق، حتى أصبح التشدد نفسه يبدو كأنه خيار عقلاني مطلوب العمل به.

هكذا تشكل الميثاق، ليس بوصفه انتصاراً لرؤية واحدة، بل كتسوية بين خوفين: خوف من الانهيار الداخلي، وخوف من فقدان القيم؛ لذلك جاء النص مزيجاً غريباً: لغة قانونية منضبطة، وروح سياسية قلقة.

إذا عدنا إلى جوهر التغيير، سنجد أن الفارق بين النظام القديم والجديد لا يكمن فقط في التفاصيل، بل في الفلسفة. النظام السابق، الذي ارتبط عملياً باتفاقية دبلن، قام على فكرة واضحة: الدولة التي يدخل منها طالب اللجوء تتحمل المسؤولية؛ فكرة بسيطة، لكنها أثبتت مع الوقت أنها غير عادلة وغير قابلة للاستمرار.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *