قوانين اللجوء تحت المجهر.. تحوّل واقع اللاجئين
أبوبكر باذيب
تسير حزمة القوانين الهولندية الجديدة الخاصة باللجوء والهجرة في مسار تشريعي متسارع داخل مجلس الشيوخ، وسط جدل سياسي ومجتمعي واسع. وقبل الوصول إلى مرحلة الإقرار النهائي، تبرز أسئلة جوهرية حول ما الذي تعنيه هذه القوانين عمليًا، وكيف يمكن أن تغيّر واقع طالبي اللجوء في هولندا في حال اعتمادها.
الحزمة المطروحة لا تتعلق بتعديل قانون واحد، بل بثلاثة تشريعات مترابطة: قانون إجراءات الطوارئ في اللجوء، وقانون إدخال نظام الوضعين للاجئين، إضافة إلى تشديد تجريم الإقامة غير القانونية. وهذا الترابط هو ما يمنح القوانين ثقلها الحقيقي، إذ إن تأثير كل قانون يتضاعف عند تطبيقه إلى جانب الآخر.
وعليه، فإن هولندا تقف اليوم عند مرحلة مفصلية في سياساتها الخاصة باللجوء والهجرة، مع طرح حزمة تشريعات جديدة تهدف إلى تشديد الإجراءات وتقليص أعداد طالبي اللجوء، هذه القوانين التي لا تزال في طور النقاش داخل مجلس الشيوخ، تحمل أبعادًا سياسية وقانونية وإنسانية عميقة.
وسنحاول في هذا المقال تقديم تحليل شامل للسياق السياسي المحيط بهذه القوانين.
أولًا: السياق السياسي العام
تأتي هذه الحزمة في ظل تجاذب حقيقي بين نفوذ التيارات اليمينية والشعبوية في المشهد السياسي الهولندي، وبين نخب من يسار الوسط التي تحاول ضبط إيقاع تشريع القوانين، وتحت ضغط توجهات الرأي العام وتأثير البلديات التي تعاني من اكتظاظ مراكز الاستقبال، تسعى الحكومة إلى إظهار حزم سياسي سريع، حتى وإن كان ذلك على حساب التوازن التقليدي بين الالتزامات الإنسانية والاعتبارات الإدارية.
في المقابل، تواجه هذه التوجهات معارضة من أحزاب يسارية، إضافة إلى منظمات حقوقية ترى في هذه القوانين انحرافًا عن التقاليد القانونية الهولندية والتزاماتها الدولية، ولا سيما اتفاقية جنيف الخاصة بوضع اللاجئين والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
ثانيًا: مضمون الحزمة التشريعية
تتكون الحزمة من ثلاثة مسارات رئيسية:
-
إجراءات الطوارئ في اللجوء: منح الحكومة صلاحيات استثنائية لتسريع البت في الطلبات وتقليص مدد الاستئناف.
-
نظام الوضعين للاجئين: تقسيم اللاجئين إلى فئات بحقوق متفاوتة، مع توسيع نطاق الإقامة المؤقتة.
-
تشديد التعامل مع الإقامة غير القانونية: الانتقال من المعالجة الإدارية إلى المقاربة العقابية.
وتكمن خطورة هذه الحزمة في تكامل عناصرها، إذ لا يعمل أي قانون بمعزل عن الآخر، بل يُنتج مجموعها سياسة أكثر صرامة وأقل مرونة، ما يُتوقع أن يخلق صراعات اجتماعية تمتد لفترة طويلة.
ثالثًا: التقدير السياسي والقانوني
في حال إقرار القوانين، ستتمكن الحكومة من تحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأمد، خاصة أمام قواعدها الانتخابية، وفي المقابل، يُتوقع تصاعد الطعون القضائية محليًا وأوروبيًا، ما قد يؤدي إلى تعطيل جزئي أو تعديل لاحق للتشريعات، وهذا بالضرورة قد يؤثر في صورة هولندا كدولة رائدة في مجال حقوق الإنسان، مع انعكاسات محتملة على دورها داخل الاتحاد الأوروبي.
أما في حال إسقاط القوانين أو تعديلها، وهو ما لا يبدو مرجحًا في الوقت الراهن، فستتعرض الحكومة لضغوط سياسية داخلية، وقد تُتهم بالعجز عن إدارة ملف اللجوء. وفي هذه الحالة، قد يُفتح الباب أمام حلول وسط، مثل تحسين البنية التحتية لمراكز الاستقبال بدل التشديد القانوني، وإعادة تقنين المعالجات الإدارية المعمول بها.
من المرجح أيضًا أن تؤدي هذه القوانين، إذا أُقرت، إلى زيادة حالة عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي للاجئين، وارتفاع أعداد الأشخاص خارج النظام الرسمي، كما قد تنشأ توترات جديدة بين الحكومة المركزية والبلديات التي ستتحمل العبء التنفيذي الأكبر. وهذا بدوره قد يخلق حالة من الفوضى الإدارية، لا سيما في ظل التعقيد البيروقراطي الذي تُدار به شؤون البلديات الهولندية.
في المحصلة تشير المعطيات إلى أن حزمة القوانين تمثل استجابة سياسية لضغوط داخلية أكثر من كونها حلًا جذريًا لأزمة اللجوء، وهي ضغوط استمرت لسنوات وأسقطت ثلاث حكومات متعاقبة، كما التزمت الأحزاب أمام ناخبيها بالعمل على معالجتها، وهذا الالتزام يدفعها بالضرورة نحو تشريع هذه الحزم وإقرارها وتنفيذها، والتي يبدو أنها ستشكّل نهاية ما يُعرف بـ«العهد الذهبي» لأحلام المهاجرين في أوروبا، ولا سيما مع بدء تنفيذ ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي في منتصف عام 2026.




