المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / مدريد تكسر الصمت الأوروبي في وجه الازدواجية الأخلاقية

مدريد تكسر الصمت الأوروبي في وجه الازدواجية الأخلاقية

مدريد تكسر الصمت الأوروبي في وجه الازدواجية الأخلاقية

أدهم حسانين

حين اتخذت مدريد موقفًا سياسيًا مختلفًا داخل الاتحاد الأوروبي، فإنها لا تبحث عن تميّز رمزي، بل تعبّر عن إرث أخلاقي يتجاوز المصالح الضيقة. المواقف الإسبانية الأخيرة من القضية الفلسطينية ومن الحرب الصهيوأمريكية على إيران لم تكن انفعالًا دبلوماسيًا، بل محاولة لإعادة تعريف معنى الالتزام الأوروبي بالقانون الدولي والعدالة.

منذ تولي حكومة بيدرو سانشيز السلطة، سعت إسبانيا إلى ترسيخ خطاب يعيد التوازن بين الواقعية السياسية والمبادئ الإنسانية. فأمام حرب لم تترك للفلسطينيين سوى الرماد، تجرأت مدريد على كسر حالة الجمود الأوروبي، مؤكدة أنّ دعم إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة ليس تهديدًا لأمن أحد، بل إعادة للمسار إلى نقطة الأخلاق التي تاهت وسط الحسابات الاستراتيجية. إنها رسالة إلى أوروبا بأن الصمت، هو في ذاته موقف — وغالبًا الأسوأ.

من ذاكرة الحرب إلى أخلاق السياسة 

خرجت إسبانيا من تجربة ديكتاتورية طويلة، تعرف أن فقدان العدالة يقود بالضرورة إلى فقدان الاستقرار. لذلك جاء خطابها تجاه الشرق الأوسط متماسكًا: لا يمكن للسلام أن يولد من المعايير المزدوجة.

هذه الرؤية لم تكن خالية من الكلفة؛ فقد واجهت مدريد انتقادات أوروبية وضغوطًا من شركائها في الناتو، لكنها اختارت أن تكون “صوتًا غير مريح” بدلًا من أن تكون صدىً لسياسات واشنطن.

الخطوات العملية والدبلوماسية 

لم يقتصر الموقف الإسباني على البيانات الرمزية، بل تُرجم إلى سلسلة خطوات عملية أعادت تعريف صورة مدريد في المشهد الدولي. فقد أعلنت الحكومة الإسبانية دعمها العلني لمطلب الاعتراف بدولة فلسطين، وطالبت الاتحاد الأوروبي بتبني موقف جماعي في هذا الاتجاه. كما جمدت بعض صفقات توريد الأسلحة ذات الاستخدام العسكري التي كان من الممكن أن تصل إلى إسرائيل، ودعت في الأمم المتحدة إلى إنشاء لجنة تحقيق مستقلة في الانتهاكات في قطاع غزة.

أما على الجانب الإنساني، زادت مدريد تمويلها للمساعدات الإنسانية الموجهة للفلسطينيين، ودعمت وكالة “الأونروا” في مواجهة العجز الذي خلفته انسحابات الممولين الغربيين.

أما فى الداخل الإسباني، اتخذت الحكومة مواقف حازمة ضد خطابات التحريض، مؤكدة أن التضامن مع الشعب الفلسطيني جزء من أخلاق السياسة الإسبانية الحديثة.

أما فيما يتعلق بالحرب على إيران، فقد اتسم الموقف الإسباني بالحذر المسؤول.

رفضت مدريد الانخراط في أي عمليات دعم لوجستي أو عسكري في إطار التحالف الأمريكي الإسرائيلي، ودعت بدلًا من ذلك إلى وساطة أوروبية مستقلة لاحتواء التصعيد.

كما حذّر وزير الخارجية الإسباني من أن استمرار الحرب من شأنه أن يهدد إمدادات الطاقة ويقوض الأمن في المتوسط، مؤكدًا أن الدبلوماسية  -لا الردع – هي السبيل الوحيد لتفادي مأساة جديدة في المنطقة.

الحرب على إيران واختبار الاستقلال 

منذ اندلاع الصراع الواسع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى.

بدا الاتحاد الأوروبي في حالة ارتباك استراتيجي. غير أن إسبانيا تمسكت بخط مغاير: دعت إلى التهدئة، ورفضت منطق التحالفات العسكرية المفتوحة، مؤكدة أن الأمن العالمي لا يبنى على المغامرات.

هذا الموقف، وإن بدت آثاره محدودة، عكس سعي مدريد لإحياء فكرة السيادة الأوروبية في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.

هكذا، لم يكن الموقف الإسباني دفاعًا عن إيران بقدر ما كان دفاعًا عن حق أوروبا في امتلاك قراءة مستقلة للأزمات، بعيدًا عن لغة الإملاء التي وسمت العلاقات الأطلسية خلال العقود الماضية.

أوروبا الممكنة 

لو تبنت أوروبا النهج الإسباني، لتبدلت معالم المشهد السياسي في القارة. كانت ستستعيد روحها كقوة مدنية مؤثرة ومصدّرة للسلام، بدل أن تُختزل في ذراع دبلوماسية لحلف الناتو.

كما كانت ستكسب احترام الرأي العام العالمي، خصوصًا في الجنوب، حيث تُراقَب سياسات الغرب بعيون تتوق إلى قدر بسيط من الاتساق الأخلاقي.

لن يكون الطريق سهلًا، فالاتحاد الأوروبي يرزح تحت ثقل الانقسامات الداخلية وضغط المصالح الاقتصادية والأمنية. غير أن مدريد أثبتت أن واقعية السياسة يمكن أن تتعايش مع الضمير.

أوروبا لا تحتاج إلى شعارات جديدة؛

بل تحتاج إلى شجاعة المراجعة.

في النهاية، حين ترفع إسبانيا صوتها دفاعًا عن الفلسطينيين، أو تدعو إلى ضبط النفس في وجه التصعيد ضد إيران، فهي لا تفعل ذلك فقط باسم مبدأ العدالة، بل باسم أوروبا التي ما زال العالم ينتظر منها أن تتذكر من تكون.

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *