حكومة أقلية في هولندا: تحديات الاستقرار وانعكاساتها على اللاجئين
ابوبكر باذيب
تتجه الساحة السياسية الهولندية نحو سيناريو معقّد يتمثل في احتمال تشكيل حكومة أقلية تضم أحزاب d66 و vvd و cda في ظل برلمان منقسم وصعوبات متزايدة في بناء ائتلاف يحظى بأغلبية مريحة.
هذا التطور يطرح أسئلة جوهرية حول قدرة حكومات الأقلية على ضمان الاستقرار السياسي، وفاعلية العملية التشريعية، وتأثير ذلك على السياسات العامة، ولا سيما في الملفات الحساسة مثل اللجوء والهجرة والاقتصاد والحرب.
تُعد حكومات الأقلية ظاهرة معروفة في الأنظمة البرلمانية التعددية، حيث تعتمد الحكومة على دعم برلماني متغير لتمرير القوانين والموازنات، وفي الحالة الهولندية، يكتسب هذا النموذج خصوصية إضافية بسبب قوة البرلمان وتنوع الخريطة الحزبية، غياب الأغلبية الثابتة يعني أن الحكومة ستكون مضطرة للدخول في مفاوضات مستمرة مع أحزاب المعارضة، ما يفتح المجال أمام مساومات سياسية قد تُضعف من تماسك السياسات الحكومية أو تؤدي إلى تعطيلها.
من منظور الاستقرار السياسي، لا يعني تشكيل حكومة أقلية بالضرورة الدخول في حالة عدم استقرار فوري، خاصة أن الثقافة السياسية الهولندية تقوم على التوافق والحلول الوسط، إلا أن هذا الاستقرار يظل هشًا ومشروطًا، إذ إن أي خلاف حاد حول ملفات كبرى -مثل الميزانية العامة، أو السياسات الاجتماعية، أو العلاقات الأوروبية – قد يؤدي إلى شلل حكومي أو حتى سقوط الحكومة .. كما أن الاعتماد على دعم برلماني ظرفي يمنح الأحزاب خارج الائتلاف قدرة أكبر على التأثير، ما قد يرقى أحيانًا إلى ما يُوصف بالابتزاز السياسي.
أما على صعيد العملية التشريعية، فتواجه حكومة الأقلية تحديات بنيوية في تمرير القوانين، فمشاريع القوانين غالبًا ما تخضع لتعديلات جوهرية لتأمين الأصوات اللازمة، وهو ما قد يؤدي إلى فقدانها لجزء من أهدافها الأصلي، هذا الواقع ينعكس على جودة التشريع وعلى وضوح السياسات، ويخلق حالة من عدم اليقين لدى المواطنين والمؤسسات على حد سواء.
فيما يتعلق بملف اللاجئين، تبدو تأثيرات حكومة الأقلية أكثر تعقيدًا تاريخيًا، يُعد هذا الملف من أكثر القضايا قابلية للتسييس في البرلمان الهولند، وفي ظل حكومة أقلية، قد يتحول اللجوء إلى ورقة تفاوض أساسية بين الحكومة وأحزاب المعارضة، ما قد يدفع نحو تشديد السياسات أو تجميد إصلاحات ضرورية لتفادي فقدان الدعم البرلماني أو الاضطرار الى تمرير حزم قوانيين متطرفه لارضاء توجهات يمينية. وتنعكس هذه الديناميات بشكل مباشر على اللاجئين، سواء من حيث طول إجراءات اللجوء، أو سياسات لمّ الشمل، أو برامج الاندماج.
في المحصلة، يعكس احتمال تشكيل حكومة أقلية في هولندا واقعًا سياسيًا قابل للسقوط في اي لحظة، ويكشف عن تحديات حقيقية تتعلق بالاستقرار، وبينما قد تتيح هذه الصيغة تمثيلًا أوسع للتعددية السياسية، فإنها تحمل في طياتها مخاطر واضحة، خاصة عندما تتداخل الحسابات البرلمانية مع قضايا إنسانية حساسة تتطلب سياسات طويلة الأمد ورؤية واضحة.




