الانهيار الصامت: ماسترخت ونهاية الحلم الأوروبي

د.جمال محسن
في صباح ماسترخت الرمادي، حيث لا تشرق الشمس بل تتثاءب خلف سحب من وجع التاريخ، وقفنا أمام مبنى البلدية، ذاك الهيكل الحجري الذي شهد لحظة انطلاق الحلم الأوروبي، يوم وقّعت فيه الدول على اتفاق بدا وكأنه ولادة جديدة لقارة عجوز أنهكتها الحروب.
لكن شيئًا ما في الأفق كان مكسورًا. الصمت يلف المدينة، المحال مغلقة، الوجوه شاحبة، والقطارات تعبر دون أن تحمل أملاً. تلك المدينة التي كانت قلب أوروبا النابض، تحوّلت إلى ما يشبه الأطلال… ماسترخت اليوم ليست سوى شاهدٍ حجريٍ على أحلامٍ تبخّرت، ورؤىً أكلها غبار البيروقراطية والجشع.
لقد أطلقت زيارة ماسترخت في وجداني إنذارًا خافتًا لكنه عميق: هل بدأ الحلم الأوروبي في التلاشي؟ وهل نحن على أعتاب انهيار مشروع الاتحاد الأوروبي؟
أوروبا… من الوحدة إلى الوحدة القاتلة
أين ذهبت الوعود؟ أين تلك القارة التي بشّرت شعوبها بمستقبل من العدالة، من الرفاه، من العلم والعمل والكرامة؟ هل يمكن أن تنهار القارات بصمت؟ نعم… أوروبا تنهار الآن لا تحت وقع المدافع، بل تحت ثقل الاتفاقيات التي تشبه الشِراك، وتحت ضغط التعريفات الجمركية التي تعصف بالطبقات الوسطى، وتحت الخضوع الكامل لإرادة القوة الأميركية الغاشمة.
الاتفاق التجاري الأخير بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ليس مجرد اتفاق… إنه انحناءة مذلة، قبلة يدٍ قسرية لترامب وأمثاله. لقد باع ساسة أوروبا، وعلى رأسهم تيار اليمين، ما تبقى من كرامة القارة على موائد واشنطن.
أوروبا الشرقية: خزّان الأيدي العاملة… وقبر الكرامة
حين فتحت أبواب الاتحاد الأوروبي لدول الشرق، بُنيت الآمال على أن تتقارب الشعوب، وأن تُعمر القرى الرومانية والبلدات البولندية بفرص العمل والتنمية. لكن ما حدث كان العكس. نُزفت العقول، وتبخرت الطاقات، وتحولت أوروبا الشرقية إلى مصنعٍ ضخمٍ يصدر العمال ويستورد الوهم.
في شوارع روتردام، وبرلين، وميلانو، تجدهم… عمال من رومانيا وبلغاريا يعملون في صمت. لا أحد يسمعهم. لا أحد يرى دموعهم. أحدهم – قابلناه – يعمل في مركز لوجستي بمحيط ماسترخت. وجهه مثل صخرٍ نحتته السنين، ويداه كأنهما خرائط تعب.
“أعمل 16 ساعة يوميًا، شيفتين متتاليتين، أنام في غرفة مع أربعة رجال، وأرسل ما أستطيع لأهلي في رومانيا. أحلم بشراء بيت، حلم صغير… لكن كلما اقتربت، تباعد أكثر. الديون تطاردني، وأنا أركض كأني على عجلة لا تتوقف. غريب هنا، وغريب هناك. لا وطن لي، ولا وقت كي أتنفس.”
قصة هذا العامل ليست استثناءً، بل عنوانُ روايةٍ طويلةٍ من الإنهاك القاري.
الغرب الغني… يتجمّل بجراح الفقراء
بينما يُستنزف شرق أوروبا، يغرق غربها في أزمة أخلاقية واقتصادية. العمالة الرخيصة التي تدفقت دون تنظيم، فجّرت أزمات الإسكان، وشلّت الخدمات الاجتماعية، وأثقلت كاهل النظام الصحي. المواطن الغربي – خاصة من الطبقات الدنيا والمتوسطة – يشعر اليوم بأنه يُزاح عن موارده، عن حقه في الرعاية والسكن والكرامة.
لكن من المستفيد؟ الطبقات الثرية، تلك التي لا تمشي في شوارع المدن المكتظة، ولا تنتظر في طوابير المستشفيات، ولا تشعر بارتفاع الأسعار. إنهم يربحون من هذا الاتفاق الذي يُخفض لهم كلفة الإنتاج، ويُسهل لهم البيع، ويزيد من أرباحهم، بينما يتلاشى الأمان الوظيفي والاجتماعي لملايين المواطنين.
ماسترخت… من المهد إلى اللحد
جامعة ماسترخت تتراجع عن الطابع الدولي، وتعود للغتها المحلية تحت شعار “هولندية الجامعات”، لكنها في الحقيقة تختنق. المستشفى الجامعي، الذي كان فخر المدينة، بدأ يتقشف، يبحث عن تمويل لبحث هنا أو هناك. المطار الإقليمي مطار ماسترخت اخن تقلصت ميزانيته ورحلاته كأنه يتنفس بصعوبة. مدينة بأكملها تتقلص… وتختنق مثل أوروبا.
ان من استهدفوا ماسترخت بتدميرها لجعلها نموذج لرفض اوروبا و الانغلاق هم من لا يؤمنون
بأوروبا الإنسانية، بل بأوروبا القلاع، أوروبا الأسوار، أوروبا النسيان.
أمة متعبة… نفسياً، واقتصادياً، ووجودياً
هذا الانهيار الاقتصادي لا يأتي وحده. إنه يتسلل إلى الصحة النفسية لكل من يعيش في هذه القارة. التوتر، الاكتئاب، فقدان المعنى. ازدياد عدد الشباب الذين يشعرون بأنهم “لا ينتمون”، وأنهم يعيشون حياة مرهقة بلا أفق. حتى العلاقات الاجتماعية تفككت، واللغة المشتركة أصبحت لغة الخوف لا الأمل.
التحذير الأخير: أوروبا على حافة المرآة
ماسترخت لم تعد المدينة التي توحّدت فيها أوروبا، بل أصبحت المرآة التي تكشف ما لا نريد رؤيته: اتحادٌ يتآكل، قيمٌ تنهار، طبقاتٌ تُطحن، وكبرياءٌ يُداس.
إن لم نتحرك، إن لم نصغِ لصوت العامل المنهك، للأم المرهقة، للطالب الذي يعمل ليلًا كي يدفع أقساطه، فإننا سندخل “ما بعد ماسترخت” لا كقارة، بل كأطلالٍ على خريطةٍ أكلها الطمع وفقدان البوصلة.