أعظم رجل في العالم: فيلدرز أم ترامب؟

في علم النفس السياسي، هناك صنف من القادة تحكمه “الأنا” كما يحكم القمر المدَّ والجزر.
زعماء يرون أنفسهم شمسًا تتقزم أمامها الكواكب، ومحور الكون الذي يختل بدونه توازن العالم.
يتغذّون على التصفيق كما يتغذّى الجسد على الأكسجين، وإذا غاب الضوء عن وجوههم، بحثوا عنه في مراياهم الداخلية، ولو كان وهجًا من نار الوهم.
هؤلاء يبدأون بإيمان مفرط بالذات، يتحوّل إلى يقين أنهم الأعظم، ثم ينتهي إلى سلوكيات تختصرها عبارة واحدة:
“أنا ومن بعدي الطوفان.”
ومن بين هذه النماذج، يطل اسمان بارزان في المشهد الدولي: خيرت فيلدرز في هولندا، ودونالد ترامب في الولايات المتحدة.
كلاهما يقدّم نفسه قبطانًا لسفينة الوطن، ويبيع للناس صورة “المنقذ”، أكثر مما يبيع برامج واقعية أو حلولًا عملية.
فيلدرز… من زهو الذات إلى زهو الوطن
في إحدى أمسيات البرلمان الهولندي، وقف فيلدرز وسط القاعة، صوته يتردد تحت قبة البرلمان
“هولندا أعظم دولة في العالم، وسنحافظ عليها نقية!”
وهذا الذي اظهره للناس ولكن ما يخفيه هو انه بنى فكرته على انه يجب ان اقنعهم بأن هولندا هي أعظم دولة في العالم لأنها بالرغم من صغر حجمها الا انها لها تاثير كبير في العالم ولأنها دولة ديمقراطية فإن أعظم شئ فيها ليست السدود او المواني او البشر وانما الاحزاب السياسية التي تقود مسيرتها وتحدد اتجاهاتها وأهم الأحزاب وأعظمها هو حزبه من اجل الحرية واعظم شخص في هذا الحزب هو قائده الملهم العبقري الفذ فيلدرز ولهذا فهو أعظم رجل بالعالم.
كانت يداه تتحركان كقائد أوركسترا، يعزف لحن الخوف على أوتار السياسة.
هولندا بالنسبة له ليست وطنًا يضم الجميع، بل مسرحًا يقف فيه على خشبة القيادة، والجمهور هو الشعب الذي يُفترض أن يصفق مهما كان المشهد.
ترامب… وانكسار لمؤيديه
في البيت الأبيض، كان ترامب يجلس خلف مكتبه البيضاوي، رافعا شعار امريكا اولا وتحكمه نفس الأفكار وبنفس السرد ينظر لنفسه كأعظم رجل في العالم و يلوّح بيده لمستشاريه قائلًا:
“إذا أرادت أوروبا الحماية، عليها أن تدفع… بالسعر الذي أحدده.”
كان يتحدث عن الناتو كما يتحدث تاجر عن بضاعة، وعن السياسة الخارجية كما يتحدث سمسار عن صفقة عقار.
هو الآخر، يرى العالم من نافذة برجه الخاص، لا من نوافذ بيوت الناس العاديين.
وينكشف يوم بعد اخر فقد كان يتحدث بأنه سيوقف الحروب ولم تتوقف بل زادت قوة و تحدث عن توفير فرص عمل وحياة رفاهية للشعب الأمريكي ولكن ما حدث هو تقلص فرص العمل واقتصاد قائم على الأوهام و علي التزوير والواقع مأساوي فها نحن نشهد علي هجرة الامريكان الانقياء على حد قوله الي خارج امريكا و سعيهم لفرص عمل خارجية بعد أن استحالت عليهم الحياة و يشهد المواطن الأمريكي على انهيار المنظومة الصحية بقانون جائر لم يستفيد منه الا أعضاء حزبه الذين باعوا أسهمهم في شركات التأمين الصحي ليشتروا أسهم في شركات السجون التي اتسعت و سرعان ما نرى انهيار الحلم الامريكي فمحاربته للمهاجرين تجاوزت الحدود وجعلت امريكا كابوس يريد ان يستيقظ منه ليس فقط المهاجر المخدوع ولكن حتى المواطن الأمريكي يبحث عن فرصة للفرار من مصير مأساوي يقوده مقامر.
حين يتكلم علم النفس السياسي
الشخصيات التي ترى ذاتها قمة الجبل، غالبًا ما تخشى أن تكون مجرد حجر في الوادي.
النرجسية السياسية قلعة من زجاج: تبدو شامخة تحت الشمس، لكنها تتشقق عند أول حجر من الواقع.
فيلدرز يصرخ في الميكروفونات، وترامب يفاوض على ضوء الشمس لو استطاع، لكنهما يتشابهان في خيط رفيع: تضخيم الذات حتى تبدو أكبر من الوطن نفسه، ومثل كل بالون مملوء بالهواء الساخن، لحظة الانفجار قادمة، وإن تأخرت.
التاريخ يعيد نفسه… بوجوه جديدة
في ثلاثينيات القرن الماضي، كان “الأعظم” هو من ينادي بـ”نقاء العِرق الآري”.
انتهت القصة بحرب عالمية أحرقت نصف الكوكب.
اليوم، تغيرت الألوان والأقنعة: مرة الدين، مرة لون البشرة، مرة الثقافة، لكن الجوهر ثابت: تقسيم البشر إلى “نحن” و”هم”، وصناعة عدو دائم لتبرير الزعامة.
المفارقة أن الحضارة الحقيقية بُنيت على العكس تمامًا: على التبادل، على الأخذ والعطاء، على التلاقح الثقافي.
من الأندلس التي جمعت العرب والأوروبيين واليهود، إلى وادي السيليكون الذي جمع عقولًا من كل القارات، لم يوجد اختراع عظيم وُلد من رحم الانغلاق.
اليمين الشعبوي… مدٌّ يتهيأ للانكسار
اليوم، موجة اليمين ترتفع في بولندا مع كارول ناوركي، وفي البرتغال مع أندريه فنتورا، وفي ألمانيا حيث حزب البديل وصل إلى 21%، وفي هولندا حيث أسقط فيلدرز الحكومة.
لكن المد مهما علا، يعرف أن مصيره الانحسار.
ترامب الذي ابتز أوروبا، وفيلدرز الذي باع الخوف كما تباع البضائع، بدأا يخسران سحرهما.
المواطن العادي بات يرى ما وراء الخطاب: مصالح اقتصادية، وشبكات نفوذ لا علاقة لها بالوطن إلا كلافتة دعائية.
اذا كان هذا الواقع فما هي سيناريوهات المستقبل القريب
الأحزاب الوسطية واليسارية أدركت أن ترك الساحة لليمين المتطرف أشبه بترك السفينة للقرصان.
بدأت التحالفات والانتخابات تعكس عودة البوصلة: في فرنسا، في رومانيا، وغدًا – ربما أقرب مما يتخيل فيلدرز – في هولندا نفسها.
السياسات القائمة على الانغلاق تصنع الضجيج، لكنها لا تبني الأوطان.
كما لا يمكن لزعيم أن يكون “الأعظم في العالم” لمجرد أنه صدق صورته في المرآة.
خيرت فيلدرز ودونالد ترامب ليسا سوى فصلين في كتاب قديم عنوانه: “الوهم بالقوة المطلقة”.
أصواتهما عالية، لكن التاريخ لا يكتبه الضجيج، بل الأفعال.
سيتركان أثرًا كأقدام على رمال المدّ، يبتلعها البحر مع أول انحسار.
أما العظمة الحقيقية، فهي أن تبني جسرًا بدلًا من أن تحفر خندقًا، أن تصنع مستقبلًا يحتضن الآخرين بدلًا من أن تطردهم.
وعندما يدرك الناخب أن الكراهية لا تزرع قمحًا، وأن الأسوار لا تحمي من العواصف، عندها ستطوي صفحة اليمين، ويكتب سطرًا جديدًا…
سطرًا يبدأ بالناس، وينتهي عندهم.