المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / آفاق حياة بعد مشروع الموت

آفاق حياة بعد مشروع الموت

آفاق حياة بعد مشروع الموت

رسالة لاجئ في أوروبا

في مكانٍ ما من هذا العالم، كان الموت مشروعًا يوميًا، والفجرُ لا يشرق إلا ليُعدّ عددَ الضحايا، لا ليمنحنا يومًا جديدًا.

كنت أعيش في وطنٍ يُوزَّع فيه الخبز بالولاء، وتُسحب فيه الحياةُ من تحت أقدامنا مثل سجادةٍ قديمة ملطخة بدم الأبرياء.

الوطن… ذاك الحلم الذي انقلب كابوسًا، حيث تسكنك الحرب أكثر مما تسكن فيه، وحيث تُولد وأنت محكومٌ عليك  بالخراب لا بالقدر.

في كل صباح، كنت أحمل حقيبتي للعمل وداخلها كفني كنت اودع اطفالي واعتبره وداع اخير لاني ربما لن اعود وربما أعود ولن اجدهم، ولن اجد البيت فكل يوم كان يصل لنا خبر قتل صديق او زميل حتي اني لم اعد احضر الجنازات من كثرها و توسعت الدائرة ليصبح القتلي ايضا الاطفال و اصبحنا لا  نفقد اشخاص وانما اسر كاملة .

في كل مساء، كنت أعدّ أطفالي لا للنوم، بل لاحتمال أن لا يأتي غد.

وفي لحظة مفصلية، لحظة تختلط فيها غريزة البقاء بنداء الأبوة، قررت: سأهرب من مشروع الموت، لا فرارًا، بل بحثًا عن الحياة تركت كل شئ.

مشيتُ آلاف الأميال لا لأنني مغامر، بل لأنني لاجئ مجبولٌ بالأمل، يحمل على كتفيه طفلًا يبكي وجعًا، وآخر يضحك جهلًا بما ينتظره.

عبرتُ الصحارى والبحار، رأيتُ أجسادًا تحولت إلى طحالب، ودموعًا صارت ملحًا في ملوحة البحر، لكني لم أتراجع.

كنت أهرب من جحيم لا يُطفأ، إلى فردوس لا أعرفه.

وحين وصلت أوروبا، لم أجد الجنة…

لكنني وجدت البداية.

وجدت امرأةً عجوزًا فتحت لي الباب ولم تسألني من أين أتيت، بل ماذا أحتاج.

وجدت طبيبًا لم يقرأ ملفي الأمني، بل فحص نبضي.

وجدت مدرسة فتحت ابوابها لاطفالي وهم لا يعرفون لغة لم يسالوني من اين هم او ما سبب وجودهم هنا  .

وجدت خبزًا لا يُشترى بالذل، وشارعًا لا يُراقبني فيه ظلّ الخوف.

هنا، بدأت الحياة تمدّ لي يدها دون قيد، وهنا بدأ قلبي يصدق أن الكرامة ليست رفاهية، بل حق.

هذه ليست قصة شكر فقط، إنها شهادة على شراكة حقيقية. لأننا، نحن اللاجئين، لم نأتِ لنكون عبئًا. نحن جزء من النسيج. نعمل في مزارعكم، نقف في مستشفياتكم، نُنظف شوارعكم متاجركم جامعتكم ، نُدرس في مدارسكم، ونخدم في مطاعمكم. بعضنا أصبح معلمًا، وبعضنا ممرضًا، وبعضنا الآن رجل أعمال. نحن لا نُنافس، بل نُكمل. لا نأخذ، بل نُضيف.

نحن اللاجئين لم نأتِ لنحمل معاول الهدم، بل معاول البناء.

نحن الذين نكافح كل يوم في وظائف ليلية، لا لترف، بل لنرسل القليل إلى أمٍّ ما زالت تحلم بدواء، ، أو لأطفال نريدهم أن يعيشوا ما لم نعشه.

ومع كل هذا، هناك من يصورنا كـ”طوفان بشري”، يهدد “الهوية” و”الثقافة” و”الاقتصاد”.

صوت التيارات اليمينية المتطرفة بدأ يعلو، ليس لأنهم يملكون الحقيقة، بل لأن الخوف أعلى صوتًا من العقل تستخدمنا كورقة رخيصة في معارك انتخابية لا تُنتج إلا الخوف والكراهية.

لكنني أقول لمن استضافونا و فتحوا لنا اوطانهم

نحن لسنا ضدكم، بل معكم.

نحن لسنا أعداءكم، بل رفاق الحياة.

إنْ منحتني الديمقراطيةُ حق التصويت، فسأصوّت.

لا لمن يرفع الجدران، بل لمن يفتح النوافذ.

لا لمن يصطاد الأصوات بشباك الكراهية، بل لمن يصنع الأمل بمشاريع العدالة.

سأصوّت لأحزابٍ تؤمن أن الإنسان قيمة، لا عبء، أن التنوع ثراء، لا خطر.

لقد قال لي أحد المثقفين الكبار ذات مساء في ساحة Vrijthof بماسترخت:

“ما تشهده أوروبا اليوم ليس إلا ارتدادًا مؤقتًا… كل تجربة إنسانية عظيمة تمر بمرحلة اهتزاز، لكن القارة التي أنجبت الديمقراطية لا تسقط في حضن العنصرية بسهولة.”

وكان محقًا.

أن صعود بعض أحزاب الكراهية في أوروبا ليس إلا موجة مؤقتة مدفوعة بالتوترات الاقتصادية والقلق المجتمعي بعد أزمات متعددة. لكن التاريخ يُظهر لنا أن مثل هذه القوى، رغم صخبها، تُفضَح سريعًا أمام الواقع، إذ تفتقر للرؤية، و الحلول العميقة. مجرد شعاراتهم لا تبني مدارس ولا تحمي معاشات ولا تعالج مريضًا. الشعوب الأوروبية، التي راكمت تقاليد ديمقراطية عريقة، قادرة على كشف زيف الخطاب المتطرف، وقادرة على الدفاع عن مشروعها الإنساني. فالديمقراطية هي الحصن الأخير، وهي التي ستحمي القارة من التردي نحو الشعوبية والعنصرية. أوروبا ليست فقط سوقًا مشتركة، بل هي مجموعة من المبادئ الدستورية والقيم القانونية التي تنص بوضوح على: “كرامة الإنسان مصونة. كل من يوجد على أراضي الاتحاد يتمتع بحقوقه الأساسية، دون تمييز قائم على الأصل أو اللغة أو الدين أو اللون أو المعتقد أو الوضع القانوني.”

إن أوروبا التي وقّعت في ماسترخت ذات يوم على حلم الوحدة، لا يليق بها أن تضع نقطة النهاية في رواية إنسانيتها.

قد تنكمش الجامعات، وقد تتقلص الرحلات في المطارات، وقد تنخفض ميزانيات البحث العلمي… لكن ما يجب ألا يتقلص أبدًا هو القلب الأوروبي الذي عرفناه: متسعًا، دافئًا، عادلًا.

إن أخطر ما يواجه أوروبا اليوم ليس اللاجئ، بل النسيان.

نسيانُ ما مرت به من حروب، من فاشية، من جدران سقطت بدماء التضحيات.

نسيانُ أن الكرامة لا تتجزأ، وأن من يغلق الباب في وجه الغريب، قد يأتي يوم يجد نفسه غريبًا في وطنه.

أيها الأوروبيون،

شكرًا لأنكم أنقذتم أطفالي من قوارب الموت.

شكرًا لأنكم علمتمونا أن القانون أقوى من السلاح.

شكرًا لأنكم لم تسألونا عن لوننا أو لغتنا أو ديننا قبل أن تفتحوا لنا الأبواب.

 

لكن أرجوكم…

لا تتركونا فريسة خطاب الحقد.

لا تجعلوا من صراخ اليمين المتطرف نشيدًا لأوروبا جديدة تُبنى على الخوف.

لا تسمحوا بأن تتحول صناديق الاقتراع إلى صناديق إقصاء.

صوتوا لأجل إنسانيتكم. لأجل مستقبل أطفالكم وأطفالي. لأجل أوروبا التي تستحق أن تكون بيتًا للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *