إسرائيل وارتباك أوروبا الاستراتيجي!

بقلم د. جمال حسين
مقدمة: عندما يسقط قناع التماسك الأوروبي
في نيسان/أبريل 2024، وبينما كانت أنظار العالم مشدودة إلى السماء، تتبعت وسائل الإعلام الطلعات الصاروخية الإيرانية التي عبرت أجواء المنطقة باتجاه العمق الإسرائيلي، في مشهد ينذر باشتعال أوسع في واحدة من أكثر بقاع الأرض توترًا. لم يتأخر الرد الإسرائيلي، ووجدت المنطقة نفسها في قلب مواجهة مباشرة غير مسبوقة بين خصمين لطالما أدارا صراعهما عبر حروب بالوكالة.
لكن ما إن خفّت أصداء تلك الليلة المتوترة، حتى عاد الشرق الأوسط ليشعل القلق مجددًا في حزيران/يونيو 2025، حين تكررت المشاهد لكن بصورة أشد حدة وأكثر ارتباكًا: طلعات جوية مكثفة، إطلاق متبادل للصواريخ، تحليق للطائرات من الجانبين الإيراني والإسرائيلي، واستنفار إقليمي غير مسبوق. هذه المرة، لم يكن التصعيد حدثًا عسكريًا فحسب، بل اختبارًا صارخًا لمفاهيم الردع، ولحدود ضبط النفس، ولقدرة القوى الكبرى على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
في خضم هذا التوتر المتصاعد، برز سؤال إنساني قبل أن يكون سياسيًا:
إلى متى ستبقى شعوب المنطقة رهينة جغرافيا النار؟
وأين تقف أوروبا، القارة التي طالما تباهت بقيم السلام، حين يتطاير الدخان فوق رؤوس المدنيين وتدوي صافرات الإنذار في المدن والقرى؟
المفارقة أن الاتحاد الأوروبي لم يظهر كما يصوّر نفسه: جبهة موحدة ذات رؤية استراتيجية. بل كشفت الأزمة، مرة أخرى، عن شبكة معقدة من التباينات والمصالح المتضاربة التي تدفع كل عاصمة إلى قراءة الحدث بمنظارها الوطني الضيق.
وفي هذا السياق المتوتر، تبرز إيطاليا بوصفها لاعبًا فريدًا داخل المشهد الأوروبي – لا صاخبًا ولا صامتًا، بل مناورًا ببرودٍ محسوب، تحكمه اعتبارات التاريخ، والموقع، والمصالح. فهل تمثّل إيطاليا حالة استثنائية؟ أم أن ما نشهده هو انعكاس حقيقي لارتباك أوروبي أوسع تجاه إيران والصراع الشرق أوسطي؟
أولًا: أوروبا وإيران… شراكة مقلقة في عالم مضطرب
منذ توقيع الاتفاق النووي عام 2015، تبنّت أوروبا سياسة مزدوجة تجاه إيران: انفتاح اقتصادي مقابل احتواء سياسي وأمني. وعلى الرغم من القيود الأميركية والضغوط الإسرائيلية، حاولت العواصم الأوروبية – خصوصًا باريس وبرلين وروما – إبقاء قنوات التواصل مع طهران مفتوحة، أملاً في بناء توازن إقليمي مستقر.
لكن المسار لم يكن سهلًا. فبين تطور البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، ودعم طهران لحركات إقليمية كحزب الله والحوثيين، وصولًا إلى تورطها في دعم روسيا عسكريًا في حرب أوكرانيا، تزايدت الشكوك الأوروبية، لا سيما مع تصاعد وتيرة القمع الداخلي منذ احتجاجات 2022.
التصعيد العسكري المباشر مع إسرائيل في 2024 ثم تكراره في 2025 وضع أوروبا أمام لحظة حاسمة:
هل تواصل سياسة “التوازن الناعم”؟ أم تنحاز بوضوح لمحور واشنطن – تل أبيب؟
ثانيًا: إيطاليا وإيران… من دفء الأمس إلى برودٍ محسوب
لطالما كانت إيطاليا من أكثر الدول الأوروبية انفتاحًا على طهران. فقد تصدّرت قائمة الشركاء التجاريين الأوروبيين لإيران، واستضافت زيارات رسمية رفيعة، وشاركت في مشاريع بنية تحتية طموحة داخل إيران.
لكن مع صعود حكومة جورجيا ميلوني ذات التوجه اليميني عام 2022، تبدّلت نبرة روما. أصبح الخطاب أكثر تحفظًا، وإن لم تُغلق قنوات التواصل بالكامل. ففي أزمة 2024، دانت إيطاليا التصعيد الإيراني، لكنها رفضت الانجرار إلى خطاب المواجهة. وفي تصعيد 2025، كررت موقفها ذاته: دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكن مع التحذير من المبالغة في الرد.
ذلك ما يمكن وصفه بـ**”البرود التكتيكي”**: موقف يُبقي لإيطاليا حرية الحركة، ويُظهرها كطرف غير منحاز بالكامل، مستعد دائمًا للوساطة.
ثالثًا: من دمشق إلى طهران… التنسيق الخفي يتكلم إيطاليًا
إعادة فتح السفارة الإيطالية في دمشق عام 2021 لم تكن مجرد خطوة رمزية. بل كانت إشارة لقراءة إيطالية خاصة لتوازنات المنطقة، ترتكز على الاتصال الهادئ مع طهران عبر البوابة السورية.
لم تعلن روما عن أي تفاهم مباشر، لكنها نسّقت بصمت مع الهلال الأحمر الإيراني لتسهيل إيصال المساعدات، وحافظت على خيوط تواصل غير علنية، خشية تكرار موجات لجوء ضخمة نحو أوروبا، أو فقدان التأثير في ملفات تمس الأمن القومي الإيطالي، كالوضع في ليبيا وسوريا ولبنان.
هكذا تعمل الدبلوماسية الإيطالية: قليل من التصريحات، كثير من الأفعال، وخطاب متّزن يخفي مصالح مدروسة.
رابعًا: أوروبا… وحدة ظاهرية وانقسامات فعلية
أظهر التصعيد الأخير مدى هشاشة الموقف الأوروبي. لم يكن هناك موقف موحّد، بل تباين واضح في المواقف:
فرنسا: أدانت الهجوم الإيراني، لكنها ضغطت نحو التهدئة الدبلوماسية.
ألمانيا وبريطانيا: تبنّتا موقفًا أكثر تشددًا، ولوّحتا بعقوبات إضافية.
هولندا وبلجيكا: التزمتا الحذر، خوفًا من ارتدادات أمنية داخلية.
إيطاليا وإسبانيا: جنحتا نحو الوساطة، بسبب مصالح استراتيجية في المتوسط.
هذا التفاوت يكشف بوضوح أن “السياسة الخارجية الأوروبية الموحدة” لا تزال شعارًا أكثر منها واقعًا. فكل دولة تتصرّف من منطلق حسابات داخلية، وغالبًا في ظل تبعية مباشرة للقرار الأميركي.
خامسًا: المستقبل القريب… هل تبقى إيطاليا على الحياد الذكي؟
إذا استمر التصعيد، فإن السيناريو الأقرب هو:
فرض عقوبات أوروبية انتقائية على إيران.
تفعيل دور إيطاليا كوسيط “غير رسمي” سواء عبر رئاستها الدورية في الـG7 أو من خلال الفاتيكان كذراع إنساني ودبلوماسي هادئ.
أما إذا شهدت إيران تحوّلًا سياسيًا داخليًا، عبر صعود إصلاحيين أو تكنوقراط، فإن روما ستكون في مقدّمة العواصم الساعية إلى إعادة بناء العلاقات، شريطة أن يتم ذلك وفق شروط أوروبية أكثر صرامة، توازن بين الانفتاح والمساءلة.
سادسًا: غياب الاستعداد الأوروبي لسيناريوهات إيران القادمة
في ظل الأزمات المتلاحقة، يبقى الغائب الأبرز عن أجندة الأوروبيين هو الاستعداد الجاد لمرحلة ما بعد النظام الإيراني الحالي. فمع تنامي الاحتجاجات، والانقسامات الداخلية، والتدهور الاقتصادي، يظلّ احتمال التغيير السياسي قائمًا – سواء عبر انتقال تدريجي أو انهيار مفاجئ.
لكن لا توجد خارطة طريق أوروبية واضحة:
لا خطة لاحتواء الفوضى المحتملة.
ولا تصوّر لتعامل استراتيجي مع نظام جديد – أيا كان شكله.
ماذا أعدّت أوروبا لسيناريو سقوط النظام الإيراني؟ ففي ظلّ الاحتجاجات المتكررة، والانقسام الداخلي المتنامي، وتنامي الضغوط الاقتصادية والدولية، لا يمكن استبعاد تحوّل جذري في بنية السلطة بطهران، سواء عبر انتقال تدريجي أو انهيار مفاجئ. لكن المقلق أن أوروبا – حتى الآن – لا تبدو مستعدة لأي من الاحتمالين. لا خارطة طريق واضحة للتعامل مع نظام جديد – إن وُجد – ولا تصوّر لمرحلة فراغ محتملة في بلد بمثل هذا الثقل الجيوسياسي. والتاريخ القريب لا يخلو من دلالات: فالخميني نفسه انطلق من منفاه الباريسي ليعود على أكتاف الثورة عام 1979، محمّلاً بأحلام التغيير، التي سرعان ما تحوّلت إلى مشروع أيديولوجي مغاير لكل التوقعات الغربية. فهل تتكرر المفاجأة؟ هل تدرك أوروبا أن النظام التالي – إن جاء – قد يكون أكثر تقلبًا، أو ربما أكثر تطرفًا، أو حتى أكثر انفتاحًا؟ وهل لدى بروكسل ما يكفي من أدوات التأثير والتوقع لإدارة هذا التحول؟ غياب الرؤية هنا ليس مجرد خلل دبلوماسي، بل تهديد استراتيجي، قد يكشف هشاشة المشروع الأوروبي في محيطه الأوسع.
خاتمة: الشرق الأوسط مرآة أوروبية… فهل ترى أوروبا صورتها الحقيقية؟
ما يحدث بين إيران وإسرائيل ليس صراعًا بعيدًا عن أوروبا. إنه مرآة تكشف ضعف القرار الموحد الأوروبي، وتبعيته للموقف الأميركي، وغياب رؤية استراتيجية متماسكة في التعامل مع الأزمات المتكررة في الشرق الأوسط.
أما إيطاليا، تسير بخطى أنتهازية تحاول الحفاظ على حياد ذكي، وعلى نفوذ هادئ، ولكن النظرية الميكافيلية لا تنجح دائما فبالرغم من كل ما تقوم به فانها لا تعد شي للمستقبل وسيبقي موقفها السياسي يحمل العديد من علامات الاستفهام مما يضعف دورها
لكن الزمن لا ينتظر كثيرًا.
والأيام القادمة ستُظهر من كان يقرأ تحولات المنطقة ببصيرة، ومن ظلّ يركض خلف ظلّ سياسات قديمة لم تعد تنفع.