المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

المركز الأوروبي لقياس الرأي والدراسات الاستراتيجية

الرئيسية / أوروبا تستعد للحرب “المرحلة صفر”

أوروبا تستعد للحرب “المرحلة صفر”

أوروبا تستعد للحرب “المرحلة صفر”

د.ابوبكر باذيب

لم تعد عبارة “الاستعداد للحرب” في أوروبا مجرد خطاب سياسي مرتبط بالحرب الروسية الأوكرانية بل تجاوزت ذلك، وبات تسويق سردية الحرب حديث السياسيين والشارع الأوروبي، فقد شهد العام الجاري 2026 تحولًا سياسيًا وعسكريًا واجتماعيًا، من حيث الانتقال في سرديات الاقتصاد وتبعات الرفاه إلى حديث خشن عن استراتيجيات السياسات الدفاعية الفعلية، من زيادة الإنفاق العسكري، وتوسيع الصناعات الدفاعية، إلى تعزيز الدفاع الجوي، وحماية البنية التحتية، وصولًا إلى الاستعداد لمواجهة ما تسميه المؤسسات الأوروبية التهديدات الهجينة، أي الهجمات التي تقع دون إعلان حرب شامل، مثل التخريب، والهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والتدخل المعلوماتي، والعمليات السرية.

وهذا ما دفع مؤسسات الاتحاد الأوروبي الى اقرار خططًا جديدة لتعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي والنقل الاستراتيجي والأمن السيبراني. 

السؤال إذن: لماذا أصبحت أوروبا تتصرف وكأن الحرب احتمال يجب الاستعداد له؟

المشهد الألماني يلخص التحول الأوروبي، فوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قال إن أجهزة الاستخبارات الألمانية ترى أن روسيا تُبقي خيار الحرب ضد الناتو مفتوحًا وربط ذلك بتقديرات تصل إلى عام 2029، ووصف العمليات الروسية من تخريب وهجمات مسيّرات وحملات تضليل بأنها جزء مما يسميه البعض المرحلة صفر من حرب محتملة مع الناتو. 

لكن أخطر ما في المسألة أن المواجهة لا تحتاج إلى دبابة روسية تعبر الحدود الألمانية حتى تبدأ آثارها داخل ألمانيا واوروبا، ففي أغسطس تعرض مطار لايبزيغ الالماني، لمحاولة هجوم بطائرة مسيّرة، وقالت برلين إن الاستخبارات الروسية تقف خلف العملية، بينما نفت موسكو ذلك، وتبع ذلك سلسلة من حوادث التخريب التي دفعت وزير الداخلية الألماني إلى الحديث عن هجمات “حرب هجينة” تحدث بصورة شبه يومية. 

بقدر ما تتبادل ألمانيا وروسيا الاتهامات بشأن استهداف البنى التحتية والأمن القومي، يتسع في المقابل خطاب المواجهة بين الطرفين، فوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يوجه اتهامات إلى ألمانيا ودول أوروبية بأنها تتحرك باتجاه مواجهة عسكرية مع روسيا، بينما ترى العواصم الأوروبية أن موسكو تمثل تهديدًا أمنيًا طويل الأمد، وأن الاستعداد لهذا الاحتمال لم يعد خيارًا سياسيًا بل جزءًا من إعادة بناء العقيدة الدفاعية الأوروبية. 

وبين الروايتين، يبرز سؤال أكثر خطورة هل تتحدث موسكو عن مواجهة تقليدية، أم أن أدوات الحرب الحديثة من الهجمات السيبرانية والتخريب إلى الحرب الإلكترونية والصواريخ يمكن أن تجعل المواجهة أسرع وأكثر اتساعًا من الحرب التقليدية؟

المفارقة أن أوروبا التي عاشت عقودًا وهي تبني أمنها واقتصادها على افتراض استبعاد الحرب الكبرى، تبدو اليوم أكثر اقتناعًا بأن عليها الاستعداد لها، وتصريحات الأمين العام لحلف الناتو الهولندي مارك روته تعكس هذا التحول في الخطاب الأوروبي، فروسيا لم تعد تُناقش باعتبارها أزمة محصورة في أوكرانيا، وإنما باعتبارها تحديًا أمنيًا طويل المدى لأوروبا والحلف. 

ولذلك، فإن الحرب المقبلة ــ إذا اندلعت ــ قد لا تبدأ بالضرورة بدخول الدبابات أو إطلاق الرصاص على الحدود، بل ربما تبدأ باختراق شبكة كهرباء، أو تعطيل مطار، أو هجوم سيبراني واسع، أو استهداف بنية تحتية استراتيجية، وهنا تكمن الخطورة: متى يتحول “الهجوم الهجين” من عمل عدائي قابل للاحتواء إلى سبب مباشر لمواجهة عسكرية بين روسيا ودولة عضو في الناتو؟

والسؤال الأكبر الذي يظل معلقًا فوق هذه المعادلة هو أمريكا هل ستواصل واشنطن الوقوف إلى جانب أوروبا بالدرجة نفسها إذا انتقلت المواجهة من الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا إلى صراع مباشر بين روسيا والناتو؟ وما حدود استعداد إدارة ترامب لتحمل تكلفة حرب أوروبية واسعة؟ فالمعضلة الأوروبية لا تتعلق فقط بقدرتها على إنتاج السلاح أو تحمل حرب استنزاف طويلة، وإنما أيضًا بمدى قدرتها على معرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل شريكًا عسكريًا كاملًا في اللحظة التي تختبر فيها أوروبا أخطر مواجهة أمنية منذ نهاية الحرب الباردة.

الأمر لا يقتصر على روسيا، أوروبا بدأت تتعامل أيضًا مع إيران باعتبارها مصدرًا لنشاط أمني عابر للحدود ففي يونيو 2026 أصدرت 24 دولة، بينها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وهولندا بيانًا مشتركًا اتهم أجهزة الاستخبارات الإيرانية، بما فيها الحرس الثوري وفيلق القدس ووزارة الاستخبارات، بالتورط في عمليات قتل واختطاف وترهيب داخل أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، وباستخدام شبكات إجرامية محلية ودولية.

وهذا يختلف عن التهديد الروسي، فروسيا تستخدم مزيجًا من الضغط العسكري والهجمات السيبرانية والتخريب والاستطلاع، بينما ارتبط النشاط الإيراني الأوروبي بصورة أكبر بعمليات استخباراتية واستهداف معارضين ومصالح اوروبية وأمريكية.

والحادث الذي وقع أمس في بريطانيا يوضح انتقال الصراع من الشرق الأوسط إلى البيئة الأوروبية بصورة مباشرة، فقد اعتقلت الشرطة البريطانية خمسة أشخاص قرب قاعدة RAF Fairford بعد العثور على مركبات يُشتبه في احتوائها على متفجرات، بينما تحقق أجهزة مكافحة الإرهاب في احتمال وجود صلة إيرانية، فالقاعدة تُستخدم من القوات الأمريكية في عمليات ضد أهداف إيرانية وحتى الان الارتباط الإيراني يظل محور تحقيق وليس حقيقة قضائية نهائية. 

المفارقة أن أوروبا تستعد للحرب في الوقت الذي تعاني فيه من مشكلات حقيقية في مخزوناتها وقدرتها الإنتاجية، فالحرب الأوكرانية كشفت أن الجيوش الأوروبية لم تكن مهيأة لحرب استنزاف طويلة تستهلك آلاف القذائف والصواريخ يوميًا، وهذا ما يؤكده المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن أوروبا رفعت إنتاجها واستثماراتها بصورة كبيرة منذ 2022، لكن فجوات لا تزال موجودة في الأفراد والمدفعية والدفاع الجوي والذخائر والجاهزية، وأن أوروبا لن تستطيع قبل 2030 أن توفر بمفردها كل متطلبات الدفاع التقليدي للقارة دون موارد أمريكية. 

 

لكن السؤال المقابل أكثر أهمية: إذا كانت أوروبا تعاني من نقص الذخائر، فماذا عن روسيا؟

روسيا ليست في وضع مريح أيضًا، الحرب استنزفت موارد بشرية واقتصادية ضخمة، كما أن الاقتصاد الروسي أصبح أكثر اعتمادًا على الإنفاق العسكري، وفي 2026 تتوقع موسكو عجزًا في الميزانية يبلغ نحو 3% من الناتج المحلي، أعلى بكثير من المستهدف سابقًا، بينما خفضت الحكومة توقعاتها لإنتاج النفط إلى أدنى مستوى منذ 2009، وسط آثار الحرب والعقوبات والهجمات الأوكرانية على منشآت التكرير.

لكن روسيا في المقابل أعادت توجيه اقتصادها نحو الحرب، ووسعت إنتاج الذخائر، وتشير التقارير إلى أن موسكو توسع إنتاج الذخائر بما يسمح لها بمواصلة الحرب في أوكرانيا والاستعداد لصراع مستقبلي. 

إذن، لا توجد صورة بسيطة تقول إن أوروبا “منهكة” وروسيا “منهارة” أو العكس كلا الطرفين يدفع ثمن الحرب لكن بطريقة مختلفة.

في المحصلة أوروبا لا تستعد بالضرورة لأن حربًا عالمية ستندلع غدًا؛ إنها تستعد لأن المرحلة التي كانت تفصل بين الحرب والسلام أصبحت أكثر ضبابية، فالتخريب الروسي والنشاط الإيراني والهجمات السيبرانية والمسيّرات واستهداف البنية التحتية والحرب في أوكرانيا كلها جعلت الأمن الأوروبي قضية يومية بعد عقود من الاعتقاد بأن الحرب الكبرى أصبحت شيئًا من الماضي.

والسؤال الحقيقي ليس هل ستندم أوروبا على انفتاحها السابق، ولا هل ستنتصر في حرب طويلة مع روسيا، والسؤال الأعمق هو: هل تستطيع أوروبا الحفاظ على نموذجها المفتوح والرفاهي والديمقراطي، وفي الوقت نفسه بناء قدرة أمنية وعسكرية تمنع الآخرين من استغلال هذا الانفتاح؟

هذه هي المعضلة الأوروبية الجديدة أن القارة التي بنت مشروعها السياسي على تجاوز منطق الحرب، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى إعادة تعلم لغة الردع والاستعداد العسكري، دون أن تتحول هي نفسها إلى مجتمع يعيش بمنطق الحرب الدائمة.

التعليقات مغلقة.